محمد بن وليد الطرطوشي

71

سراج الملوك

ولبعضهم : من كان يعلم أنّ الموت يدركه * والقبر مسكنه والبعث مخرجه وأنّه بين جنّات ستبهجه * يوم القيامة أو نار ستنضجه فكلّ شيء سوى التقوى به سمج * وما أقام عليه منه أسمجه « 1 » ترى الذي اتخذ الدّنيا له وطنا * لم يدر أنّ المنايا سوف تزعجه وروي أن عيسى عليه السلام ، كان مع صاحب له يسيحان ، فأصابهما الجوع ، وقد انتهيا إلى قرية ، فقال عيسى لصاحبه : انطلق فاطلب لنا طعاما من هذه القرية ، وقام عيسى يصلي ، فجاء الرجل بثلاثة أرغفة ، فأبطأ عليه انصراف عيسى ، فأكل رغيفا ، فانصرف عيسى « 2 » فقال : أين الرغيف الثالث ؟ فقال : ما كانا إلا رغيفين ، قال : فمرّا على وجوههما حتى مرا بظباء ترعى ، فدعا عيسى عليه السلام ظبيا منها ، فذكّاه فأكلا منه ، ثم قال عيسى عليه السلام للظّبي : قم بإذن الله ، فإذا هو يشتد ، فقال الرجل : سبحان الله ، فقال عيسى : بالذي أراك هذه الآية ، من صاحب الرغيف « 3 » ؟ قال : ما كانا إلا اثنين . قال : فمضيا على وجوههما ، فمرّا بنهر عجّاج « 4 » عظيم ، فأخذ عيسى عليه السلام بيده ، فمشى به على الماء ، حتى جاوزا الماء ، فقال الرجل : سبحان الله ، فقال عيسى عليه السلام : بالذي أراك هذه الآية ، من صاحب الرغيف ؟ قال : ما كانا إلا اثنين ، فخرجا حتى أتيا قرية عظيمة خربة ، وإذا قريب منها ثلاث لبنات « 5 » من ذهب ، فقال الرجل : هذا مال ؟ فقال عليه السلام : أجل هذا مال ، واحدة لي ، وواحدة لك ، وواحدة لصاحب الرغيف ، فقال الرجل : أنا صاحب الرغيف ، فقال عيسى عليه السلام : هي لك كلّها ، ففارقه ، فأقام عليها ليس معه ما يحملها عليه ، فمر به ثلاثة نفر ، فقتلوه ، وأخذوا اللبن ، فقال اثنان منهم لواحد : انطلق إلى القرية ، فأتنا بطعام ،

--> ( 1 ) سمج : قبح ، فهو سمج . ( 2 ) أي انتهى من الصلاة . ( 3 ) أي من أكل الرغيف . ( 4 ) العجّاج : الصيّاح ، والشديد الثائر ، الذي له صوت صاخب . ( 5 ) اللبن : واحدته لبنة وهو المضروب من الطين أو غيره .