محمد بن وليد الطرطوشي

500

سراج الملوك

الهدى ، وسلك بي سبل الرّدى ، أأحسن إلىّ أم أساء ؟ فقال له عليّ : إن كنت استوجبت عليه حقا فقد أساء ، وإن كنت لم تستوجب عليه شيئا ، فهو يفعل ما يشاء . وقال ميمون بن مهران « 1 » لغيلان القدري « 2 » : سل ، فأقوى ما تكونون إذا سألتم ، فقال غيلان : أشاء الله أن يعصى ؟ فقال ميمون : أيعصى كارها ؟ فانقطع غيلان . وروى أن رجلا قال لبرزجمهر : تعال نتناظر في القدر . فقال : وما تصنع بالمناظرة في القدر ؟ رأيت ظاهرا استدللت به على الباطن ، ورأيت أحمق مرزوقا ، وعاقلا محروما ، فعلمت أن التّدبير ليس إلى العباد . وقال بعضهم : يخيب الفتى من حيث يرزق صاحبه * ويعطى المنى من حيث يحرم طالبه ولما قدم موسى بن نصير « 3 » بعد فتح الأندلس ، على سليمان بن عبد الملك « 4 » فقال له يزيد بن المهلب « 5 » : أنت أدهى الناس وأعلمهم فكيف طرحت نفسك في يدي سليمان ؟ فقال موسى : إن الهدهد يهندس الماء في الأرض الفيافي « 6 » ، ويبصر القريب منه والبعيد ، على بعده في التخوم « 7 » ، ثم ينصب له الصبيّ الفخ بالدودة والحبة ، فلا يبصره حتى يقع فيه .

--> ( 1 ) ميمون بن مهران الرقى الفقيه والقاضي سبقت ترجمته . ( 2 ) غيلان القدري : غيلان بن مسلم القدري الدمشقي أبو مروان متظلم وكاتب من البلغاء تنسب إليه فرقة « الغيلانية » من القدرية ( القدر خيره وشره من العبد لا من الله ) ثاني متكلم بالقدرية بعد معبد الجهني ، قيل أنه تاب في عهد عمر بن عبد العزيز ثم جاهر بمذهبه في عهد هشام بن عبد الملك فأفتى العلماء بقتله ( ومنهم الأوزاعي ) وأمر هشام بن عبد الملك بقتله وصلب على باب كيسان بدمشق سنة 105 ه ( الأعلام 5 / 124 ) . ( 3 ) موسى بن نصير والى أفريقيا والذي وجه الجيوش لفتح الأندلس بقيادة طارق بن زياد . سبقت ترجمته . ( 4 ) سليمان بن عبد الملك الخليفة الأموي السابع . سبقت ترجمته . ( 5 ) يزيد بن المهلب بن أبي صفرة ، أمير من القادة الشجعان ولى خراسان بعد وفاة أبيه سنة 83 ه وعزله عبد الملك بن مروان برأي الحجاج الذي كان يكرهه ويخشى بأسه ، فلما ولى سليمان بن عبد الملك ولاه العراق ثم خراسان ثم البصرة ، ثم لما جاء عمر بن عبد العزيز عزله وحبسه وبعد وفاة الخليفة عمر أخرجه غلمانه من السجن وهرب للبصرة وقاتل أمير العراق مسلمة بن عبد الملك وقتل هناك سنة 102 ه ( الأعلام 8 / 190 ) . ( 6 ) الأرض الفيافي : الواسعة . ( 7 ) التخوم : الحدود .