محمد بن وليد الطرطوشي
501
سراج الملوك
وفي الإسرائيليات : أن الهداهد كانت رائدة « 1 » سليمان بن داود عليهما السلام إلى الماء ، فتتقدم معسكره ، ثم تنظر الأرض ، فتقول الماء هاهنا ، على ألف قامة ، أو أقل ، أو أكثر . فتبادر الجن تحفره ، فلا يلحق سليمان إلا وقد استعد الماء . واعلموا أن الهارب مما هو مقضى مقدر ، كالمتقلب في كف الطالب . وأنشد بعضهم : وإذا خشيت من الأمور مقدّرا * وفررت منه فنحوه تتوجّه ولبشّار « 2 » : طبعت على ما فيّ غير مخيّر * هواي ولو خيّرت كنت المهذّبا أريد فلا أعطى ، وأعطى ولم أرد * وقصّر علمي أن ينال المغيّبا وأصرف عن قصدي وعلمي مقصّر * وأمسي وما أعطيت إلّا التّعجّبا ولما وقع الطاعون بالكوفة ، فرّ ابن أبي ليلى « 3 » على حمار له يطلب النجاة ، فسمع منشدا ينشد : لن يسبق اللّه على حمار * ولا على ذي منعة طيّار أو يأتي الحتف على مقدار * قد يصبح اللّه أمام السّارى « 4 » فكرّ راجعا إلى الكوفة ، وقال : إذا كان الله أمام الساري ، فلات حين مهرب . وأنشد بعضهم : أقام على المسير وقد أنيخت * مطاياه وغرّد حادياها « 5 » وقال أخاف عادية اللّيالى * على نفسي وأن ألقى رداها « 6 » ومن كتبت منيّته بأرض * فليس يموت في أرض سواها
--> ( 1 ) الرائد : هو الرسول الذي يرسله القوم لينظر لهم الماء أو المرعى أو المكان ينزلون فيه . ( 2 ) هو بشار بن برد الشاعر الأعمى الفارسي الأصل عاش بالبصرة وأكثر من الهجاء والتشبيه بالنساء ، اتهم بالزندقة فمات ضربا بالسياط سنة 167 ه . ( الأعلام 2 / 52 ) . ( 3 ) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى فقيه ومن المحدثين الفقهاء وكان من كتيبة القرّاء الذين حاربوا الحجاج بن يوسف وقتل في معركة دير الجماجم سنة 83 ه . ( المقنع في علوم الحديث 2 / 532 ) . ( 4 ) الحتف : الموت يأتي في موعده المقدر والمحدد . والساري : الماشي ليلا . ( 5 ) أنيخت مطاياه : أي نزلت وبركت ، والمطية : هي الدابة التي تركب يستوى فيها المذكر والمؤنث ، فالبعير مطية والناقة مطية . والحادي : الذي يسوق الإبل ويتغنى بها . ( 6 ) عادية الليالي : الخيل المغيرة ليلا ، وتطلق على ( كل أمر جلل أو مصيبة ) نقول : عوادى الدهر اى عواقبه .