محمد بن وليد الطرطوشي

499

سراج الملوك

وللأئمة والحكماء في القدر ألفاظ بارعة على السّبر « 1 » والامتحان منها : ما روى أنّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، سئل عن القدر ؟ فأعرض عن السائل ، فأبى إلا الجواب ، فقال عليّ : أخبرني ، أخلقك الله كما تشاء ، أو كما يشاء ؟ فأمسك الرجل . فقال عليّ للحاضرين : أترونه يقول : كما أشاء ؟ إذا والله أضرب عنقه . فقال الرجل : كما يشاء ، فقال عليّ : أيحييك كما تشاء ، أو كما يشاء ؟ فقال : كما يشاء . قال : أيميتك كما تشاء ، أو كما يشاء ؟ قال : كما يشاء . قال : أفيحشرك كما تشاء أو كما يشاء ؟ قال : كما يشاء ، قال : أفيدخلك حيث تشاء أو حيث يشاء ؟ قال : حيث يشاء . قال : قم فليس لك من الأمر شيء . وروي أن رجلا قدريا « 2 » ومجوسيا « 3 » تناظرا ، فقال القدريّ للمجوسيّ : مالك لا تسلم ؟ فقال المجوسي : لو أراد تعالى لأسلمت . فقال القدري : قد أراد اللّه تعالى أن تسلم ، ولكن الشيطان يمنعك . قال المجوسي : فأنا مع أقواهما . وروى في الإسرائيليات : أن نبيا من أنبياء اللّه تعالى ، مر بفخّ منصوب ، وإذا طائر قريب منه ، فقال الطائر : يا نبيّ اللّه ؛ هل رأيت أقلّ عقلا من هذا ؟ نصب هذا الفخ ليصيدنى فيه ، وأنا أنظر إليه ! قال : فذهب عنه . ثم رجع ، فإذا الطائر في الفخ ، فقال له : عجبا لك ، أو لست القائل أنفا كذا ، وكذا ؟ فقال : يا نبيّ اللّه : إذا جاء الحين « 4 » لم يبق أذن ولا عين . وقال رجل من الخوارج « 5 » ، لعلى رضى اللّه عنه : أرأيت من جنّبنى سبل

--> ( 1 ) السبر : التجربة والاختيار . ( 2 ) القدرية : هم الذين يقولون : إن القدر خيره وشره من العبد لا من الله ، فسموا بذلك لأنهم أثبتوا للعبد قدرة توجد الفعل بانفرادها واستقلالها دون الله تعالى ، ونفوا أن تكون الأشياء بقدر الله وقضائه . وهؤلاء من ضلالتهم تراهم يضيفون هذا الاسم إلى مخالفيهم من أهل الهوى فيقولون أنتم القدرية حين تجعلون الأشياء جارية بقدر الله ، وقد قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( القدرية مجوس هذه الأمة ) انظر جامع الأصول في أحاديث الرسول - ابن الأثير الجزري ج 10 / 128 . ( 3 ) المجوس : عبدة الشمس أو النار . ( 4 ) جاء الحين : أي جاء الهلاك . ( 5 ) الخوارج : من أقدم الفرق الإسلامية الذين خرجوا على عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه لأنه رضى بالتحكيم إثر موقعة صفين سنة 37 ه ، عسكروا في حروراء ، ومن أشهر زعمائهم الضحاك بن قيس وقطري بن الفحاءة ، تفرقوا عدة فرق منها ، الأزارقة والأباضية والصفرية ومنهم ابن ملجم الذي قتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة 40 ه .