محمد بن وليد الطرطوشي

498

سراج الملوك

أياما ، فاشتد جوعهما ، وبلغ الضّرر منهما جهده ، فأجمعوا رأيهما على أن يحمل الأعمى المقعد ، فيدله المقعد على الطريق ببصره ، ويستقلّ المقعد بحمل الأعمى ، فيدوران في القرية يستطعمان أهلها ، ففعلا ، فنجح أمرهما ، ولو لم يفعلا هلكا ، فكذلك القدر سببه الطلب ، والطلب سببه القدر ، وكل واحد منهما معين لصاحبه . فأخذ ( جهيل ) في الطلب ، فظفر بأعدائه ، ورجع إلى ملكه ، فكان ( جهيل ) يقول : لا تدعنّ الطلب اتكالا على القدر ، ولا تجهدن نفسك في الطلب معتمدا عليه ، مستهينا بالقدر ، فإنك إذا أجهدت نفسك بالطلب بوجوه التدبير المحمودة ، مصدّقا بالقدر ، نلت ما تحاول ، ولم تلتو عليك الأمور ، وإن عملت بذلك ، فالتوى عليك أمر من مطلوبك ، فذلك من إعاقة القدر « 1 » ، وأنّك قد أتيت ذنبا ، فتفقّد جوارحك ، واستكشف ظاهرك وباطنك ، وتب إلى الله تعالى من كلّ ذنب أتيته بجارحة من جوارحك ، واخرج من كل مظلمة ظلمتها ، فإذا فعلت ذلك قابلك الحظ ، وساعدك القدر إن شاء الله تعالى . واعلم أن هذا الأصل الذي قررناه يخرّج عليه كل ما ورد في القرآن ، وحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، من الأمر بالتوكل على الله ، والتسليم إليه ، والتفويض له . من ذلك أن سليمان الخواص « 2 » تلا يوما قوله تعالى : وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ [ الفرقان : 58 ] فقال : ما ينبغي لعبد بعد هذه الآية ، أن يلجأ إلى أحد غير الله تعالى . قلنا : معناه ؛ لا يلجأ إلى الأسباب اعتمادا عليها ، ولكن يلجأ إليها واثقا بأن الله تعالى يفعل ما يشاء ، كما أمر النبي صلى اللّه عليه وسلم بعقل الناقة ولبس درعين . ألا ترى أن من يطلب الزرع والولد ثم قعد في بيته ، لم يطأ زوجته ولا بذر أرضه ، معتمدا في ذلك على الله تعالى ، واثقا به أن تلد امرأته من غير وقاع ، وتنبت أرضه الزرع من غير بذر ، كان عن المعقول خارجا ، ولأمر الله تاركا .

--> ( 1 ) في ( ط ) إعانة القدر . ( 2 ) سليمان الخواص : من الزهاد سبقت ترجمته .