محمد بن وليد الطرطوشي
494
سراج الملوك
الباب الثاني والستون في القضاء والقدر والتوكل والطلب اعلم وفقك الله تعالى : أن مذاهب الخلق في القضاء والقدر « 1 » وخلق الأفعال وإرادة الكائنات منتشرة ، ولا يخرج عن علمه وقضائه وقدره وحكمه حادث ، فمن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم ، وقد تباين الخلق فيه وتشتتت مذاهبهم ، وتقاطعوا فيه وتدابروا ، كل حزب بما لديهم فرحون ، ولم نضع هذه الترجمة لاستيفاء ما قالوا ، والاحتجاج لكل فريق ، لأن ذلك يستدعى مجلّدات وأسفارا ، وإنما نذكر في هذا الكتاب أحكاما ظاهرة قريبة من العقول ، لتقرّب الفائدة على الناظر فيه . فاعلم أولا : أن كل ما يجرى في العالم من حركة وسكون ، وخير وشر ، ونفع وضر ، وإيمان وكفر ، وطاعة ومعصية ، بقضاء وقدر ، وكذلك لا يطير طائر بجناحيه ، ولا يدبّ حيوان على بطنه ورجليه ، ولا تطير بعوضة ولا تسقط ورقة إلا بقضائه وقدره ، وإرادته ومشيئته ، كما لا يجرى شيء من ذلك إلا وقد سبق علمه به . ثم اعلم : أن القدر والطّلب لا يتنافيان ، والتوكّل والكسب لا يتضادّان ، وذلك أن تعلم أن كلّ ما قضى الله تعالى وقدّره فهو كائن لا محالة ، كما أن ما علم الله تعالى أنه يكون فهو كائن ، ومن خالفنا في القضاء والقدر وافقنا في العلم ، فربّ أمر قدّر الله تعالى وصوله إليك بغير طلب فهو واصل ، وربّ أمر قدّر وصوله إليك بعد الطلب ، فلا يصل إلا بالطلب ، والطلب أيضا من القدر ، ولا فرق بين الأمر المطلوب وبين الطلب في إنّهما مقدوران ، فمن هاهنا قلنا إنهما لا يتنافيان . وكذلك التوكل مع الكسب ، لأن التوكّل محلّه القلب ، والكسب محلّه الجوارح ، ولا يتضادّ شيئان في محلين ، بعد ما يتحقّق العبد أنّ المقدور من قبل الله تعالى ، فإن تعسّر شيء فبتقديره وإن اتفق فبتيسيره ، قال أنس : جاء
--> ( 1 ) في ( خ ) مذهب أهل الحق في القضاء والقدر .