محمد بن وليد الطرطوشي
49
سراج الملوك
أسلمك الأحبة والأولياء ، وهجرك الإخوان والأصفياء ، ونسيك القرباء والبعداء ، فأمسيت ولو نطقت لأنشدت قولنا في سكان الثرى ، ورهائن الترب ، والبلى : مقيم بالحجون « 1 » رهين رمس « 2 » * وأهلي رائحون بكلّ واد كأنّي لم أكن لهم حبيبا * ولا كانوا الأحبّة في السّواد « 3 » فعوجوا للسّلام فإن أبيتم * فأوموا بالسّلام على بعاد « 4 » فإن طال المدى وصفا خليل * سوانا فاذكروا صفو الوداد وذاك أقلّ مالك من حبيب * وآخره إلى يوم التّناد « 5 » فلو أنّا بموقفكم وقفنا * سقينا التّرب من مهج الفؤاد « 6 » قال مكرم بن يوسف العابد : أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل ، أن قف على المدائن والحصون ، وأبلغهم عني حرفين : « لا تأكلوا إلا طيّبا ، ولا تتكلموا إلا بالحق » « * » . ولما دخل يزيد الرقاشيّ « 7 » على عمر بن عبد العزيز « 8 » قال : عظني يا يزيد ، قال : يا أمير المؤمنين ، اعلم أنك أول خليفة تموت ، فبكى عمر ، وقال : زدني يا يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين ، ليس بينك وبين آدم إلا أب ميّت ، فبكى وقال : زدني يا يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين : ليس بينك وبين الموت موعد ، فبكى وقال : زدني يا يزيد ، فقال : يا أمير المؤمنين : ليس بين الجنّة والنّار منزل ، فسقط مغشيا عليه .
--> ( 1 ) الحجون : من أحياء مكة المكرمة وفيها المقبرة الكبيرة المشهورة . ( 2 ) الرمس : القبر مستويا لا يعلو على وجه الأرض أو تراب القبر . رهين رمس : مرهون ومقيد ومحبوس بهذا القبر . ( 3 ) السواد : سواد الناس : عامتهم ، وسواد البلدة : ما حولها من الريف والقرى . ( 4 ) أوموا بالسلام على بعاد : ومأ : أشار ، أو أشيروا بالسلام عن بعد . ( 5 ) يوم التنادي : هو يوم القيامة ، وسمي بذلك : للنداء فيه إلى الحشر . ( 6 ) مهج الفؤاد : دماء القلب . * ورد هذا الأثر في المجالسة وجواهر العلم ( 1 / 81 ) . ( 7 ) يزيد الرقاشي : يزيد بن أبان الرقاشي من المحدثين ، وقد اتهم بالوهن في ضبط الحديث ، وقال الذهبي : هو متروك الحديث ، توفي سنة 130 ه . ( سير أعلام النبلاء ج 17 / ص 233 ) . ( 8 ) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم ، الخليفة الأموي العادل ، خلف سليمان بن عبد الملك سنة 99 ه ، وتوفي سنة 101 ه ، اشتهر بالعدل والصلاح والتقوى ، واهتم بالاصلاحات الإدارية والمالية ( تاريخ الخلفاء 1 / 228 ) .