محمد بن وليد الطرطوشي
50
سراج الملوك
يا أيّها الرجل : لا تغفلن عن تذكّر ما تتيقّنه من خوف الفناء ، وتقضي المسار بذهاب اللذّات ، وانقضاء الشهوات ، وبقاء التبعات وانقلابها حسرات ، وأنّ الدنيا دار من لا دار له ، ومال من لا مال له ، ولها يجمع من لا عقل له ، وعليها يعادي من لا علم له ، وعليها يحسد من لا فقه له . . . . من صح فيها سقم ، ومن سلم فيها هرم ، ومن افتقر فيها حزن ، ومن استغنى فيها فتن ، حلالها حساب ، وحرامها عقاب ، ومتشابهها عتاب ، من ساعاها فاتته « 1 » ، ومن قعد عنها أتته ، ومن نظر إليها أعمته ، ومن تبصّر بها بصّرته ، لا خيرها يدوم ، ولا شرها يبقى ، ولا فيها لمخلوق بقاء . يا أيها الرجل : لا تخدعنّ كما خدع من قبلك ، فإنّ الذي أصبحت فيه من النّعم ، إنما صار إليك بموت من كان قبلك ، وهو خارج من يديك بمثل ما صار إليك ، فلو بقيت الدّنيا للعالم لم تصر للجاهل ، ولو بقيت للأوّل لم تنتقل إلى الآخر . يا أيّها الرجل : لو كانت الدنيا كلّها ذهبا وفضّة ، ثم سلّمت عليك بالخلافة ، وألقت إليك مقاليدها ، وأفلاذ كبدها ، ثم كنت طريدة للموت ما كان لك أن تتهنّأ بعيش ، لا فخر فيما يزول ، ولا غناء فيما لا يبقى ، وهل الدنيا إلا كما قال الأول : « قدر تغلي ، وكنيف « 2 » يملأ » وكما قال الشاعر : ولقد سألت الدّار عن أخبارهم * فتبسّمت عجبا ولم تبدي حتّى مررت على الكنيف فقال لي * أموالهم ونوالهم عندي « 3 » ولقد أصاب « ابن السماك » « 4 » لما قال له « الرشيد » « 5 » : يا ابن السماك
--> ( 1 ) أي : من سابقها في السعي سبقته . ( 2 ) الكنيف : الساتر ، أو المرحاض . ( 3 ) النوال : ما يناله الإنسان أو العطاء أو النصيب . ( 4 ) ابن السماك : هو أبو العباس محمد بن صبيح ، القاضي الكوفي الزاهد المشهور ، كان زاهدا عابدا حسن الكلام صاحب مواعظ ، قدم من الكوفة إلى بغداد زمن هارون الرشيد فمكث بها مدة ، ثم رجع إلى الكوفة ومات فيها سنة 183 ه . ( وفيات الأعيان 4 / 301 - 302 ) . ( 5 ) هارون الرشيد : الخليفة العباسي الرابع من أشهر الخلفاء العباسيين ، تولى الخلافة بعد أخيه الهادي أقر الأمن في المقاطعات خاصة الفارسية ، وازدهرت بعهده التجارة والعلوم والآداب ، وتوفي سنة 193 ه .