محمد بن وليد الطرطوشي

488

سراج الملوك

الكلب خير منه ، فاقبض الكلب وادفع إليه هذا الكلب « 1 » . ثم أنه أمر بعد ذلك بإطلاقه ، فذهب إلى قسطنطينية « 2 » ، فعزلته الروم ، وكحلته بالنار . فانظر : ما ذا يتأتّى على الملوك إذا عرفوا في الحروب من الحيلة والقصد في المكيدة . واعلم : أن القدماء قالوا : الكثرة للرّعب والقلّة للنصر . وقد قال الله تعالى : وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [ التوبة : 25 ] فالكثرة أبدا يصحبها الإعجاب ، ومع الإعجاب الهلاك ، وخير الأصحاب أربعة ، وخير السرايا أربعمائة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ، ولن يغلب جيش يبلغ اثنى عشر ألفا من قلة إذا اجتمعت كلمتهم . فأما صفة اللقاء - وهو أحسن ترتيب رأيناه في بلادنا ، وهو أرجى تدبير نفعله في لقاء عدونا : - أن نقدّم الرّجّالة بالدرق « 3 » الكاملة والرماح الطوال ، والمزاريق « 4 » المسنونة النافذة ، فيصفّوا صفوفهم ، ويركّزوا مراكزهم ، ورماحهم خلف ظهورهم في الأرض ، وصدورهم شارعة إلى عدوهم ، وهم جاثمون في الأرض ، وكل رجل منهم قد ألقم الأرض ركبته اليسرى ، وترسه قائم بين يديه ، وخلفهم الرّماة المختارون ، التي تمرق سهامهم من الدروع ، والخيل خلف الرّماة ، فإذا حملت الروم على المسلمين ، لم تتزحزح الرجّالة عن هيآتها ، ولا يقوم رجل منهم على قدميه ، فإذا قرب العدو رشقهم الرماة بالنشّاب « 5 » ، والرجّالة بالمزاريق ، وصدور الرماح تلقاهم ، فأخذوا يمنة ويسرة ، فتخرج خيل المسلمين بين الرماة والرجالة ، فتنال منهم ما شاء الله . ولقد حدثني من حضر مثل هذه الوقعة في بلدي ( طرطوشة ) « 6 » قال :

--> ( 1 ) يعني ملك الروم . ( 2 ) القسطنطينية هي بيزنطة القديمة ، أعاد بناءها قسطنطين ودعاها باسمه فكانت مقر الإمبراطور وعاصمة الإمبراطورية البيزنطية السياسية والدينية والثقافية وقد فتحها السلطان العثماني محمد الفاتح سنة 1453 م أو سنة 857 ه فأصبحت عاصمة العثمانين وسميت الآستانة أو استانبول . ( معجم البلدان 4 / 347 ) . ( 3 ) الرّجّالة : جمع راجل وهو الماشي على رجليه ، ويقصد المشاة غير الخيّالة . والدرق : التروس . ( 4 ) المزاريق : الرماح القصيرة . ( 5 ) النشاب : السهام . ( 6 ) طرطوشة : بلد أبى بكر الطرطوشى المؤلف - سبق التعريف بها .