محمد بن وليد الطرطوشي

489

سراج الملوك

صاففت الروم على هذا الترتيب ، فحملوا علينا ، فبينا رجل منا كان في آخر الصف فقام على قدميه ، فحمل عليه علج « 1 » من العدو فأصاب غرّته فقتله . ولما برز المقتدر بالله بن هود « 2 » ملك الأندلس ، من سرقسطة - في ثغور بلاد الأندلس - للقاء الطاغية ردميل عظيم الروم ، وكان كل واحد منهم قد احتشد بما في ميسوره ، فالتقى المسلمون والكفّار ، ثم تنازلوا للقتال وتصاففوا ، ودام القتال بينهم صدرا كبيرا من النهار ، وكان المسلمون في خسران ، فأفزع المقتدر ذلك ، وفرق المسلمون « 3 » من شر ذلك اليوم ، فدعا المقتدر رجلا من المسلمين ، لم يكن في الثغور أعرف بالحرب منه يسمى ( سعدارة ) فقال له المقتدر : كيف ترى في هذا اليوم ؟ فقال سعدارة : هذا يوم أسود ، ولكن قد بقيت لي حيلة ، فذهب سعدارة - زيّه زيّ الروم وكلامه كلامهم ، لمجاورتهم وكثرة مخالطتهم - فانغمس في عسكر الكفار ، ثم صعد إلى الطاغية ( ردميل ) ، فألفاه شاكّا في السلاح « 4 » ، مكفّنا في الحديد ، لا يظهر منه إلا عيناه ، فجعل يتخيّله ويترصد غرّته « 5 » ، إلى أن أمكنته الفرصة ، فحمل عليه فطعنه في عينه فخر صريعا لليدين والفم ، ثم جعل ينادى بلسان الروم : قتل السلطان يا معشر الروم ، فشاع قتله في العسكر ، فتخاذلوا وولوا منهزمين ، وكان الفتح بإذن الله . ولما استضعف الرّوم صقلّيّة وضربوا عليهم الخراج ، فكانوا يحملون إليهم الخراج ، ويحملون الأموال إلى العرب بإفريقية ، ويستنجدون بهم على الروم ، فقال لهم ملك الروم : إنما مثلي ومثلكم يا أهل صقلية ، مثل رجل له زوجتان : عجوز وصبية ، فكان إذا بات عند الصبية تلقط الشيب من لحيته

--> ( 1 ) العلج : الرجل الضخم القوى من كفار العجم . ( 2 ) المقتدر بالله بن هود ثاني ملوك الدولة الهودية من دول الطوائف وعاصمتهم سرقسطة ( سبق التعريف بوالده المستعين بالله ، وكيف قسم مملكته على أبنائه في حياته . . . ) وقد احتال أحمد هذا على أخوته واعتقلهم وسمل أعينهم إلا واحدا منهم ، وفي أيام المقتدر هذا اقتحم الروم مدينة ( بشتر ) وارتكبوا فيها الفظائع فقاومهم وانتصر عليهم في منطقة وانبسطت أيديهم في أخرى . ومات بسرقسطة سنة 475 ه ( الأعلام - الزركلي ج 1 / 132 ) . ( 3 ) فرق المسلمون : خافوا كثيرا . ( 4 ) شاكا أو شائكا في السلاح أي وجده ذا شوكة وحدة في سلاحه مستعدا للقتال . ( 5 ) يترصّد غرّته : ينتظر ساعة غفلته ، وليأخذه على حين غرّة ( غفلة ) .