محمد بن وليد الطرطوشي
484
سراج الملوك
فقال الرماة : لا تفوتنا الغنائم . فأقبلوا على الغنائم وتركوا المركز الأول ، فخرجت خيل المشركين من هناك ، واقبلوا على المسلمين ، فكانت مقتلة أحد « 1 » . وليخف قائد الجيش العلامة التي هو مشهور بها ، فإن عدوّه قد يستعلم حيلته ، وألوان خيله ورايته ، ولا يلزم خيمته ليلا ونهارا وليبدّل زيّه ويغير خيمته ، ويعمّى مكانه كي لا يلتمس عدوّه غرّته . وإذا سكنت الحرب ، فلا يمش في النفر اليسير من قومه خارج عسكره ، فإن عيون عدوه قد انكبّت عليه . وعلى هذا الوجه ، كسر المسلمون جيوش إفريقية عند فتحها ، وذلك أن الحرب سكنت في وسط النهار ، فخرج مقدّم العدو يمشى خارج العسكر ، يتميز عساكر المسلمين ، فجاء الخبر إلى عبد الله بن أبي السرح « 2 » وهو نائم في قبّته ، فخرج فيمن وثق به من رجاله ، وحمل على العدو ، فقتل الملك ، وكان الفتح . ولما عبر طارق « 3 » مولى موسى بن نصير « 4 » - إلى بلاد الأندلس ليفتحها ، وموسى إذ ذاك بإفريقية ، خرجوا في الجزيرة الخضراء ، وتحصّنوا في الجبل
--> ( 1 ) قصة النّفر هؤلاء صحيحة رواها البخاري عن البراء عن عازب في المغازي وفي تفسير سورة آل عمران وفي الجهاد ورواها أبو داود في الجهاد باب في الكمناء رقم ( 2662 ) . ( 2 ) عبد الله بن سعد بن أبي السرح القرشي ، فاتح إفريقية من أبطال الصحابة ، أسلم قبل فتح مكة وهو من أهلها ، وكان من كتاب الوحي وكان على ميمنة عمرو بن العاص حين فتح مصر وولى مصر سنة 25 ه بعد عمرو لمدة 12 سنة زحف خلالها إلى إفريقية بجيش فيه الحسن والحسين أبناء علي رضي الله عنهم أجمعين ففتح ما بين طرابلس وطنجة كما غزا الروم بحرا وانتصر في معركة « ذات الصواري » سنة 34 ه وأخباره كثيرة جدا ، مات بعسقلان فجأة وهو قائم يصلى سنة 37 ه ( الأعلام 4 / 88 ) . ( 3 ) طارق بن زياد ، فاتح الأندلس أصله من البربر وقد أسلم على يد موسى بن نصير فكان من أشد رجاله ولما تم لموسى فتح طنجة ولاه عليها ثم جهز جيشا لفتح الأندلس وولى عليه طارق بن زياد فاجتاز المضيق واستولى على الجبل الذي سمي باسمه وفتح قرطاجنة وكان قد احرق السفن ، حتى لا يفكر أحد في الفرار ، وأخباره كثيرة منها أن موسى عاقبة بالعزل لتوغله في الفتوح وأن الوليد بن عبد الملك أصلح ما بينه وبين موسى وعاد للفتوحات وقد مات سنة 102 ه ( الأعلام 3 / 217 ) . ( 4 ) موسى بن نصير بن عبد الرحمن اللخمي ، أصله من الحجاز ( وادى القرى ) كان أبوه على حرس معاوية فنشأ في دمشق وولى غزو البحر لمعاوية فغزا قبرص وبنى فيها حصونا ، وكان على خراج البصرة في عهد الحجاج ، وفي عهد الوليد بن عبد الملك تولى إفريقية الشمالية وما وراءها فأقام في القيروان ومنها وجه الجيوش لفتح المغرب والأندلس ، وقد كان شجاعا عاقلا كريما لم يهزم له جيش قط ، وقد رجع للشام ثم حج مع سليمان بن عبد الملك وتوفى في المدينة سنة 97 ه ( سير أعلام النبلاء 4 / 496 ) .