محمد بن وليد الطرطوشي

485

سراج الملوك

الذي يسمى اليوم : ( جبل طارق ) ، وهم في ألف وتسعمائة رجل ، فطمعت الروم فيهم ، فاقتتلوا ثلاثة أيام ، وكان على الروم « تدمير » استخلفه لذريق « 1 » - ملك الروم - وكان قد كتب إلى لذريق يعلمه أنّ قوما لا ندري أمن الأرض أم من السماء قد وصلوا إلى بلادنا ، وقد لقيتهم ، فانهض إلىّ بنفسك ، فأتاه لذريق في تسعين ألف عنان ، ولقيهم طارق وعلى خيله مغيث الرومي « 2 » - مولى للوليد بن عبد الملك - فاقتتلوا ثلاثة أيام أشد قتال ، فرأى طارق ما الناس فيه من الشدة ، فقام فحضّهم على الصبر ، ورغّبهم في الشهادة ، وبسط في آمالهم ، ثم قال : أين المفر ؟ البحر من ورائكم والعدو أمامكم ، فليس إلا الصّبر منكم ، والنّصر من ربّكم ، وأنا فاعل شيئا فافعلوا كفعلي ، فوالله لأقصدنّ طاغيتهم ، فإما أن أقتله ، وإمّا أن أقتل دونه ، فاستوثق طارق من خيله ، وعرف حلية ( لذريق ) وعلامته وخيمته ، ثم حمل مع أصحابه عليه حملة رجل واحد ، فقتل الله تعالى ( لذريق ) بعد قتل ذريع في العدو ، وحمى الله تعالى المسلمين فلم يقتل منهم كثير ، وانهزم الروم ، فأقام المسلمون يقتلونهم ثلاثة أيام ، واحتزّ طارق رأس ( لذريق ) وبعث بها إلى موسى ، وبعث بها موسى إلى الوليد بن عبد الملك ، وسار مغيث إلى قرطبة « 3 » وسار طارق إلى طليطلة « 4 » ، ولم يكن همّه غير المائدة « 5 » التي يذكر أهل الكتاب أنها مائدة سليمان بن داود عليهما السلام ، فدفع إليه ابن أخت لذريق المائدة والتاج ، فقوّمت المائدة بمائتى ألف ، لما فيها من الجواهر التي لم ير مثلها .

--> ( 1 ) لذريق : ملك الفرنج بالأندلس وكان السابع والعشرين من ملوكهم والمشهور من القول أن طارق بن زياد قتله في هذه الموقعة ، أما ( تدمير ) فهو الذي استخلفه لذريق على المملكة لأنه كان قد قصد عدوا في مكان آخر وإلى هذا تنسب بلاد تدمر في الأندلس . [ نفح الطيب 1 / 240 وما بعدها ] . ( 2 ) مغيث الرومي : ليس برومى على الحقيقة بل هو مغيث بن الحارث بن الحويرث بن جبلة بن الأيهم الغساني ، سبى من الروم وهو صغير ثم ادّبه الخليفة عبد الملك بن مروان مع ولده وأنجب وصار منه ( بنو مغيث ) من سادات قرطبة ، وكان وجّهه عبد الملك إلى الأندلس مع طارق بن زياد فقدمه طارق لفتح قرطبة مع سبعمائة فارس وفتحها سنة 92 ه وأسر ملكها وبقي نسله في قرطبة مات نحو سنة 100 ه ( الأعلام 7 / 276 ) . ( 3 ) قرطبة : عاصمة الدولة الأموية في الأندلس وعاصمة بنى هود من ملوك الطائف . ( 4 ) طليطلة : تقع جنوب مدريد ، اشتهرت في الأندلس عاصمة لبنى ذي النون من ملوك الطوائف واشتهرت كمركز عالمي لصناعة السيوف الرماح . ( 5 ) ذكر ابن خلكان في كتابه وفيات الأعيان 5 / 323 وما بعدها أصل خبر بيت الحكمة والمفاتيح على بابه وبداخله هذه المائدة ، فانظر إليها ، وكذلك المقري التلمساني في نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب 1 / 243 - 245 .