محمد بن وليد الطرطوشي
483
سراج الملوك
وقال بعض الحكماء : قد جمع اللّه تعالى آداب الحرب في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ الأنفال : 45 ، 46 ] . واستوصى قوم أكثم بن صيفي « 1 » في حرب أرادوها ، فقال : أقلّوا الخلاف على أمرائكم ، واعلموا : أن كثرة الصياح فشل ، ولا جماعة لمن اختلف ، وتثبتوا فإن أحزم الفريقين الركين « 2 » . وقال عتبة بن ربيعة « 3 » يوم بدر لأصحابه : ألا ترون أصحاب محمد جثيّا على الرّكب كأنهم خرس « 4 » ، يتلمّظون تلمّظ الحيّات « 5 » . ورأيت غير واحد ممن ألف في الحروب ، يكره رفع الصوت بالتكبير ويقولون : يذكر اللّه في نفسه . وأعلم أرشدك اللّه تعالى : أن اللّه تعالى قد أوضح لنا في كتابه علّة النصر وعلّة الهزيمة والفرار فقال : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ [ محمد : 7 ] يعنى أن تنصروا رسوله ودينه . واما الفرار : فعلّته المعاصي ، قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا [ آل عمران : 155 ] ، أي بشؤم ذنوبهم وتركهم المركز الذي رسمه لهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . وذلك أنه صلى اللّه عليه وسلم رتّب الرماة يوم أحد على ثلمة الجبل ، ليمنعوا قريشا أن يخرجوا عليهم كمينا من ذلك الموضع ، ثم التقى المسلمون فانهزم الكفار ،
--> ( 1 ) أكثم بن صيفي : حكيم العرب في الجاهلية . سبقت ترجمته . ومعنى استوصوه : أي طلبوا وصيّته ورأيه . ( 2 ) الركين : الثابت . ( 3 ) عتبة بن ربيعة بن عبد شمس أبو الوليد كبير قريش وأحد ساداتها في الجاهلية ، كان موصوفا بالرأي والحلم ، قيل أنه توسّط للصلح في حرب الفجار بين هوازن وكنانة أدرك الإسلام وطغى حارب المسلمين في بدر فقتل فيها هو وابنه الوليد وأخوه شيبة . ( الأعلام 4 / 200 ) . ( 4 ) الخرس والخرسان من بهم خرس أي انعقد لسانهم فلا يسمع لهم صوت . ( 5 ) تلمظت الحية : أي أخرجت لسانها ولمظ الرجل لمظا : أي أخرج لسانه بعد الأكل أو الشرب فمسح به شفتيه ، والمقصود أنهم يتحفّزون للانقضاض .