محمد بن وليد الطرطوشي
482
سراج الملوك
المصحفى : عن هؤلاء الرجال أخبرتك ، إنه ليس في عسكرك منه ألف ، ولا خمسمائة ، ولا مائة ، ولا خمسون ، ولا عشرون ، ولا عشرة . فرد ابن المصحفى إلى منزله وأكرمه . واعلم أن أوّل الحرب شكوى ، وأوسطها نجوى ، وآخرها بلوى ، الحرب شعثاء « 1 » عابسة « 2 » ، شوهاء « 3 » كالحة « 4 » ، حرور « 5 » في حياض الموت ، شموس في الوطيس « 6 » ، تتغذى بالنفوس ، الحرب أولها الكلام وأخرها الحمام « 7 » مرة المذاق إذا قلصت عن ساق « 8 » ، من صبر فيها عرف ، ومن ضعف عنها تلف ، جسم الحرب الشّجاعة ، وقلبها التدبير ، وعينها الحذر ، وجناحها الطاعة ، ولسانها المكيدة ، وقائدها الرفق ، وسائقها النّصر . وقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم « الحرب خدعة » « 9 » وقالوا : الحرب غشوم ، سميت بذلك لأنها تتخطى إلى غير الجاني . قال الشاعر : لم أكن من جناتها علم الله * وإنّى بحرّها اليوم صالى وقال آخر : رأيت الحرب يجنيها أناسّ * ويصلى حرّها قوم براء وقال آخر : الحرب أوّل ما تكون فتيّة * تسعى ببزّتها لكلّ جهول « 10 » حتى إذا اضطرمت وشبّ ضرامها * عادت عجوزا غير ذات خليل « 11 » شمطاء ينكر لونها وتغيّرت * مكروهة للشّمّ والتقبيل « 12 »
--> ( 1 ) الشعث : انتشار الأمر . ( 2 ) اليوم العبوس : الشديد . ( 3 ) الشوهاء : القبيحة . ( 4 ) الكالحة : التي تكشر في عبوس . ( 5 ) الحرور : الريح الحارة . ( 6 ) الوطيس : التنور . ( 7 ) الحمام : الموت . ( 8 ) قلصت عن ساق : كشفت ، وكل هذه الصفات تدل على قبح الحرب وشدّتها . ( 9 ) الحديث : رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جابر وأبي هريرة وعن أنس وغيرهم والحديث صحيح ( الجامع الصغير رقم 3812 ) . ( 10 ) البزّة : الهيئة . ( 11 ) اضطرمت النار : اشتعلت . ( 12 ) الشمطاء : من خالط بياض شعر رأسها سوادا .