محمد بن وليد الطرطوشي
481
سراج الملوك
قال : لا . قال : فتعجب المنصور ثم انعطف عليه فقال : أفيهم خمسمائة رجل من الأبطال المعدودين ؟ قال : لا . فحنق المنصور ثم انعطف عليه ، فقال : أفيهم مائة رجل من الأبطال ؟ قال : لا . قال : أفيهم خمسون من الأبطال ؟ قال : لا ؟ قال : فسبّه المنصور واستخفّ به ، وأمر به ، فأخرج على أقبح صفة . فلما توسطوا بلاد المشركين اجتمعت الروم وتصافّ الجمعان ، فبرز علج « 1 » من الروم بين الصفين ، شاك في سلاحه « 2 » يكر ويفر ، وهو ينادى : هل من مبارز ؟ فبرز إليه رجل من المسلمين ، فتجاولا ساعة ، فقتله العلج ، ففرح المشركون . وصاحوا ، واضطرب لها المسلمون ثم جعل العلج يمر بين الصفين وينادى : هل من مبارز ؟ اثنين لواحد ؟ فبرز إليه رجل من المسلمين ، فتجاولا ساعة فقتله العلج ، وجعل يكر ويحمل وينادي هل من مبارز ؟ ثلاثة لواحد ؟ فبرز إليه رجل [ من المسلمين ] « 3 » فقتله العلج ، فصاح المشركون ، وذلّ المسلمون ، وكادت تكون كسرة ، فقيل للمنصور : ما لها غير ابن المصحفى ، فبعث إليه فحضر ، قال له المنصور : ألا ترى ما يصنع هذا العلج الكلب منذ اليوم ؟ قال : بعيني جميع ما جرى ، قال : فما الحيلة فيه ؟ قال : ما الذي تريد ؟ قال : أن تكفى المسلمين شرّه ، قال : نعم الآن . ثم قصد إلى رجال يعرفهم ، فاستقبله رجل من أهل الثغور ، على فرس قد نشزت أوراكها « 4 » هزالا ، وهو يحمل قربة ماء بين يديه على الفرس ، والرجل في نفسه وحليته غير متصنع . فقال له ابن المصحفى : ألا ترى ما يصنع هذا العلج منذ اليوم ؟ قال : قد رأيته ، فما ذا ترى فيه ؟ قال : أريد رأسه الآن . قال : نعم ، فحمل القربة إلى رحله ، ولبس لامة حربه « 5 » ، وبرز إليه ، فتجاولا ساعة ، فلم ير الناس إلا المسلم خارجا إليهم يركض ، ولا يدرون ما هنالك ، وإذا الرجل يحمل رأس العلج ، فألقى الرأس بين يدي المنصور ، فقال له ابن
--> ( 1 ) العلج : الرجل الضخم القوى من كفار العجم وبعضهم يطلقه على الكافر عموما . ( 2 ) من الشوكة وهي القوة والبأس والحدة في السلاح . ( 3 ) [ من المسلمين ] سقطت في ( ط ) . ( 4 ) الورك : ما فوق الفخذ كالكتف فوق العضد والمقصود أن هذه الفرس هزيلة قد بانت عظامها . ( 5 ) لامة الحرب : اى الدرع وسميت لامة لإحكامها وجودة حلقها وتعنى هنا عدّة الحرب .