محمد بن وليد الطرطوشي

471

سراج الملوك

كأنهم ( جزر على الأوضام ) « 1 » ، وكان هناك بقربهم قربة فيها شيء من الخمر ، فشربناه وسكرنا ، ثم اشتهينا شرائح اللحم ، فقمنا نقطع من لحومهم ونجعل على النار ، وأكلنا منها ، ففزع من كنا أسرناه منهم ، وبلغ الحديث إلى الروم ، فقضت النصارى « 2 » تعجبا منا ، وقذف الرعب في قلوبهم . وروي : أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لقى عمرو بن معد يكرب « 3 » فقال له : يا عمرو : أي السلاح أفضل في الحرب ؟ فقال : عن أيّها تسأل ؟ قال : ما تقول في السّهام ؟ قال : منها ما يخطئ ويصيب ، قال : فما تقول في الرّمح ؟ قال : أخوك ، وربّما خانك قال : فما تقول في السيف ؟ قال : ذاك ذاك ، لا أم لك قال : فما تقول في الترس ؟ قال : هو الدائرة وعليه تدور الدوائر . وكان عمرو هذا من شجعان العرب وأبطالها ، نزل يوم القادسية « 4 » على النهر ، فقال لأصحابه : إنّى عابر على الجسر ، فإن أسرعتم مقدار جزر الجزور ، وجدتمونى وسيفي بيدي أقاتل به تلقاء وجهي ، وقد عقرنى القوم وأنا قائم بينهم ، وإن أبطأتم وجدتمونى قتيلا بينهم ، ثم أنغمس فحمل على القوم فقال بعضهم لبعض : يا بنى زبيد علام تدعون صاحبكم ؟ والله ما أرى أن تدركوه حيا ، فحملوا ، فانتهوا إليه وقد صرع عن فرسه ، وقد أخذ برجل فرس رجل من العجم فأمسكها ، وإنّ الفارس ليضرب فرسه ، فما يقدر الفرس أن يتحرك ، فلمّا غشيناه ، رمى الرجل بنفسه وخلى فرسه ، فركبه عمرو وقال : انا ( أبو ثور ) كدتم والله تفقدوني قالوا : أين فرسك ؟ قال : رمي بنشّابة « 5 » ، فعار وشبّ فصرعنى « 6 » .

--> ( 1 ) الجزر : هنا ما يصلح من الإبل أو الغنم للذبح . الأوضام : جمع وضم وهي الخشبة التي يقطع عليها اللحم . ويقال : « تركهم لحما على وضم » أي ذلّلهم وأوجعهم . ( 2 ) في ( ط ) فقضت الناس ، ومعنى قضت : أي توقفت عن الهجوم . ( 3 ) عمرو بن معد يكرب : شاعر فارس من شعراء الجاهلية من أهل اليمن ، أسلم سنة 9 ه ثم ارتد ثم أسلم وحسن إسلامه ، وشهد اليرموك وذهبت فيها إحدى عينيه ثم بعثه عمر إلى العراق فشهد القادسية وكانت أخبار شجاعته كثيرة ، فكانت فيه قسوة الجاهلية ويكنى « أبا ثور » له شعر جيد ، قيل أنه مات عطشا يوم القادسية وقيل أنه استشهد في حصار نهاوند سنة 21 ه ( الأعلام 5 / 86 ) . ( 4 ) القادسية : موقع في العراق غربى النجف ، وهي الآن محافظة لها أربعة أقضية قاعدتها الديوانية ، حدثت بها معركة كبرى انتصر فيها المسلمون بقيادة سعد بن أبي وقاص على الفرس بقيادة رستم سنة 14 ه . ( 5 ) النشابة : السهم . ( 6 ) معنى : عار وشب فصرعني : أي انفلت وذهب هاهنا وهاهنا ، ورفع يديه ، فألقاني على الأرض .