محمد بن وليد الطرطوشي

464

سراج الملوك

تغادر « 1 » منه ذرة ، قال : فأين الحمار ؟ قال : هو عند هذا الجائى معك « 2 » . فنهض إلى داره ، فوجد متاعه سليما ، واستخرج الحمار من الموضع الذي كان فيه ، ووسّع على أهله وأخبرهم بقصته ، فزاد أهله فرحا وتبرّكا بذلك المولود . ولما وفّى موسى عليه السلام لصهره شعيب عليه السلام الأجل الذي أجلاه لرعى غنم شعيب ، التي رعاها موسى عوضا عن مهر ابنته ، أخذ موسى عليه السلام زوجته وكرّ راجعا من مدين « 3 » فلما وافى الوادي المقدس عند جانب الطور « 4 » ، أجنّهم الليل بظلمته ، فأمسوا بائتين ، فبينما هم كذلك إذ ضرب زوجته الطّلق - وكانت حاملا - وليس عندهم ما تحتاج إليه النّفساء من الغذاء والدوا ، وما يصلح به شأنهم ، فبقوا في ضيق من الحال وقلة من الحيلة ، فخرج موسى عليه السلام يلتفت وينظر يمينا وشمالا ، عسى فرج لما أمسوا فيه من الضّرر إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً [ طه : 10 ] فَلَمَّا أَتاها [ طه : 11 ، القصص : 30 ] أضيق ما يكون ذرعا ، وأحرجه قلبا ، وآيسه عن رفق ، نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ « 5 » [ القصص : 30 ] فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ « 6 » [ طه : 11 - 12 ] . وهكذا لطائف الحق سبحانه مع من سلّم لأمره ، ورجا فضله ، وتكلم بالهدى والبشرى ، يفسح الله فيه أمله ، ويعطيه فوق ما سأله . هذا موسى عليه السلام خرج يقتبس نارا ، نودي بالنبوة . وعن هذا قال علماؤنا : ليس في خصال الخير وإن جلّت ، ولا في أنواع الأعمال وإن عظمت ، أعلى من حسن الظن بالله تعالى .

--> ( 1 ) ما تغادر منه : أي ما نقص منه . ( 2 ) الجائي معك : الآتي معك . ( 3 ) أرسل الله إلى مدين أخاهم شعيبا : مدين قرية قريبة من أرض معان في أطراف الشام ومما يلي ناحية الحجاز ، قريبا من بحيرة قوم لوط ، ومدين قبيلة عرفت بهم وهم من بنى مديان بن إبراهيم الخليل أرسل الله تعالى لهم شعيب بن ميكيل نبيا لهم وقيل إنه كان ممن آمن بإبراهيم عليه السلام يوم أحرق بالنار ( قصته مذكورة في قصص الأنبياء ابن كثير ص 186 وما بعدها ) . ( 4 ) جبل الطور : جبل طور سيناء الذي كلم الله تعالى عنده موسى عليه السلام . ( 5 ) وتكملتها : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . ( 6 ) وتكملتها : فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى . إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً .