محمد بن وليد الطرطوشي
465
سراج الملوك
ونظمه بعض الشعراء فقال : أيّها العبد كن لما لست ترجو * من نجاح أرجى لما أنت راج إنّ موسى مضى ليقبس نارا * من ضياء رآه واللّيل داج فأتى أهله وقد كلّم اللّه * وناجاه وهو خير مناج وكذا الكرب كلّما اشتدّ بالعبد * دنت منه راحة الانفراج وروي أن العدوّ نزل بساحل إفريقية « 1 » ، في عدد كثير من المراكب ، ففني ماؤهم وعطشوا ، فنفر المسلمون لهم في خلق عظيم من تلك السواحل والحصون ، فمنعوهم النزول لاستقاء الماء ، وأرسلوا إلى المسلمين أن يخلّوهم واستقاء الماء ، فأبوا ، فتضاعف عطشهم حتى أشرفوا على الهلاك ، ففتحوا أناجيلهم « 2 » وأخذوا في الدعاء والاستسقاء إلى الله تعالى والتضرّع إليه ، فلم يك بأوشك من السماء أن ألقت بأوداقها « 3 » ثم أرخت ماء كثيرا ، فبسط القوم أنطاعهم وجفانهم « 4 » وآنيتهم فشربوا وملئوا أوانيهم ، فضج المسلمون عند ذلك وقالوا : هؤلاء كفار وأعداء الله ورسوله ، قد أخلصوا إلى ربهم ، وأنابوا إليه ، وسألوه ماء يحيون به رمقهم ، فأغاثهم ، فنحن أحق بالدعاء والتضرع إلى الله سبحانه ، وأولى بالإجابة منهم ، ثم جدّ المسلمون في الدعاء والصلاة ، والابتهال إلى الله تعالى في أن يريهم آية يقوى بها قلوب الضعفاء ، ويتزايد شكر أهل المعرفة والأولياء ، فبينما هم كذلك ، إذ أرسل الله تعالى عليهم ريحا فبدّدتهم ، ومزقتهم كلّ ممزق ، وكسرت مراكبهم ، ولم يجتمع منهم اثنان . ومن عجائب صنع الله تعالى في هذا الباب : أن رجلا من ديار بكر « 5 » جاء إلى بيت المقدس ، وزار قبر الخليل صلى اللّه عليه وسلم ، وأكل من ضيافته ، فطارت حبّة عدس من ذلك الطعام في خيشومه ، ورام خروجها بكل حيلة فأعجزته ، حتى تركته مضنى ، ثم رجع إلى بلاده ، فبينما هو جالس إذ عطس فطارت العدسة في
--> ( 1 ) كذا في ( خ ) بساحل إفريقية ، وفي ( ط ) بساحة إفريقية . ( 2 ) جمع إنجيل : وهو كتاب النصارى . ( 3 ) الودق : المطر . قال تعالى : أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكاماً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ [ النور : 30 ] . ( 4 ) النطع : قطعة من الجلد . والجفنة : القصعة . ( 5 ) ديار بكر بن وائل ، قبيلة عربية من ربيعة .