محمد بن وليد الطرطوشي
461
سراج الملوك
الله تعالى أنّي كنت في القافلة الفلانية ، فضاع لي هميان « 1 » فيه أربعمائة دينار أو أربعة آلاف دينار - الشكّ من أبي ذر - ومعها فصوص « 2 » قيمتها مثل ذلك ، فما جزعت لضياعها ، ولكن ولد لي في هذه الليلة مولود ، فاحتجت في البيت إلى ما تحتاج إليه النّفساء « 3 » ، ولم يكن عندي غير هذه العشرة دراهم ، فأشفقت أن أشترى بها حوائج النفساء ، فأبقى بغير رأس مال ، ولا أقدر على التكسّب ، فقلت : أشترى بها شيئا ، وأطوف صدر نهارى ، فعسى أستفضل منه شيئا أسد به رمقى ويبقى رأس المال أتصرّف فيه ، فلما قدّر الله تعالى بضياعه جزعت ، فقلت : لا عندي مال أرجع به إليهم ، ولا ما أكتسب به ، وعلمت أنه لم يبق لي إلا الفرار منهم ، وتركهم على هذه الحال يهلكون بعدى ، فهذا الذي أوجب جزعي . قال الشيخ أبو ذر : وكان رجل من الجند جالسا على باب داره يستوعب الحديث ، فقال للشيخ أبى حفص : أنا أرغب إذا تمّمتم أمره أن تدخل معه عندي وقام ، فظننّا أنه يريد أن يعطيه شيئا . قال : فدخلنا عليه ، فأذن لنا ، فقال الجندي للطوّاف : عجبت من جزعك ، فأعاد عليه القصة ، فقال الجندي : وكنت في تلك القافلة ؟ قال : نعم ، وكان بها من عظام الناس فلان وفلان ، فعلم الجنديّ صحّة قوله ، فقال له : وما علامة الهميان ؟ وفي أي موضع سقط منك ؟ فوصف المكان والعلامة ، فقال له الجندي : لو رأيته كنت تعرفه ؟ قال : نعم ، فأخرج الجندي هميانا ووضعه بين يديه ، فقال : هذا هميانى ، وعلامة صحة قولة : أنّ فيه من الأحجار ما صفته كذا ، وكذا ، ففتح الهميان فوجد الأحجار على ما ذكر ، فقال الجندي : خذ مالك ، بارك الله لك فيه ، فقال الطوّاف : هذه الأحجار قيمتها مثل الدنانير أو أكثر ، فخذ أنت الدنانير فنفسى طيّبة بذلك ، فقال الجندي لا آخذ على أمانتي شيئا . فدخل الطوّاف وهو من الفقراء وخرج وهو من الأغنياء . فبكى الجندي بكاء شديدا وانتحب ، فقال له أبو حفص : علام تبكى ؟ وقد أدى الله أمانتك ، وقد بذل لك مالا
--> ( 1 ) الهميان : كيس تجعل فيه النقود أو النفقة ويشدّ على الوسط . ( 2 ) الفصوص : ما يركب في الخواتم من الأحجار الكريمة . ( 3 ) النفساء : المرأة إذا ولدت .