محمد بن وليد الطرطوشي
462
سراج الملوك
كثيرا ، وإن شئت عرضنا عليه أن يعيده عليك ؟ فقال : ما أبكى لذلك ، وإنما أبكى لأنّى أعلم أنّه قد حان أجلى ، فإنه ما كان بقي أمل أؤمّله ولا أمنية أتمناها ، إلا أن يأتيني الله بصاحب هذا المال فيأخذه ، فلما قضى الله تعالى ذلك بفضله ، ولم يبق لي أمل ، علمت أنه قد حان أجلى ، قال الشيخ أبو ذر : فما انقضى شهر حتى توفى وصلّينا عليه . قال القاضي « 1 » وحدثني أبو القاسم بن الحسين بالموصل « 2 » قال : لقد جرت هاهنا في هذا المسجد ، وهذه الدار ، وهذا الحانوت - وأشار إليه - قصة عجيبة : كان يسكن هذه الدار رجل من التجار ، ممّن يسافر إلى الكوفة في تجارة الخزّ « 3 » ، فبينما هو يحمل الخزّ في خرجه على حماره وهو جميع ماله نزلت القافلة ، فأراد إنزاله عن الحمار فثقل عليه ، فأمر إنسانا هناك فأعانه على إنزاله ، ثم جلس يأكل ، فاستدعى ذلك الرجل ليأكل معه ، فأجابه وأكل معه ، ثم سأله عن أمره ؟ فأخبره أنه رجل خرج من الكوفة لأمر أزعجه دون زاد ، فقال له الرجل : تكون معي وتعينني على سفري ، ويكون طعامك عندي ؟ فقال الرجل : إني حريص على خدمتك ، ومحتاج إلى طعامك ، فسار معه في طريقه ، فخدمه على أحسن حال ، قال : فوصلا تكريت « 4 » ، فنزلت الرّفقة « 5 » خارج المدينة ، ودخل الناس لقضاء حوائجهم ، فقال الرجل للخادم : احفظ رحلنا حتى أدخل وأشترى حاجتنا ، ثم دخل وقضى حوائجه ، فأبطأ هناك ، ثم خرج فلم يجد الرّفقة ، ولا وجد صاحبه ، فظنّ أنّه لما رحلت الرّفقة رحل معها ، فلم يزل يسعى حتى وصل إلى الرّفقة بعد الجهد ، فسألهم عن صاحبه ؟ فقالوا : ما جاء معنا ولا رأيناه ، ولكنه ارتحل الأسباب « 6 » على الحمار ودخل على أثرك ، وظنناك أمرته بذلك . فكرّ الرجل راجعا إلى تكريت ، وسأل عنه فلم يجد له أثرا ، ولا سمع له
--> ( 1 ) يعنى أبو الوليد الباجي والمعروف عنه أنه تنقل في الأمصار وكان منها الموصل التي عاش فيها سنة قبل عودته لبلاده الأندلس ، وقد سبقت ترجمته . ( 2 ) أبو القاسم بن الحسين بن ميمون ، من رواة الحديث الثقات ( تهذيب مستتر الأوهام لابن ماكولا 1 / 150 ) . والموصل مدينة في العراق . ( 3 ) الخز : الحرير أو ما نسج من صوف أو حرير . ( 4 ) تكريت : مدينة في العراق على شاطئ دجلة الأيمن شمالي سامراء قاعدة محافظة كانت موطن صلاح الدين الأيوبي ، هدمها تيمور لنك . ( 5 ) أي الرفاق في القافلة . ( 6 ) ارتحل الأسباب : وضع على الحمار الرحل .