محمد بن وليد الطرطوشي
460
سراج الملوك
الحائط ، ولا تدخلوا هذه البقعة ، فأبوا إلا دخولها ، وبات الرجل منتبذا « 1 » خارجا عنهم ، لم يقرب ذلك المكان ، ثم أصبحوا في عافية وحملوا دوابهم فبينما هم كذلك إذ دخل الرجل الخربة ، ليستوقد « 2 » ببقية النار ، فخر عليه الحائط فمات مكانه . وبلغني عن بعض الفقهاء ، إن جيشا من الجيوش كان بصقلية ، ناهضا من مكان إلى مكان ، فقعدوا ساعة لبعض شأنهم ، فإذا عقرب يدب ، فضربه بعض الأجناد بمقرعة كانت معه ، ثم رفع المقرعة إلى نحو عنقه ، فإذا بالعقرب قد تشبثت بأهداب المقرعة ، وهو لا يشعر ، فلدغته في عنقه ، فقضى مكانه . وأخبرني القاضي أبو الوليد الباجي « 3 » ، عن أبي ذر « 4 » قال : كنت أقرأ على الشيخ أبى حفص عمر بن أحمد بن شاهين « 5 » ببغداد جزءا من الحديث ، في حانوت رجل يبيع العطر ، فجاء رجل طوّاف بطبق يحمله في يده « 6 » ، وأعطاه عشرة دراهم ، وقال له : ادفع إليّ أشياء سماها من العطر ، فأخذها في طبقه ومشى ، فسقط الطبق من يده وتفرّق جميع ما كان فيه ، فبكى الطّواف وجزع حتى رحمناه ، فقال أبو حفص لصاحب الحانوت : لعلك تجبر له بعض هذه الأسباب ، قال : نعم ، فنزل وجمع ما تجمّع منها ، وجبر له ما نقص ، وأقبل الشيخ على الطوّاف يصبّره ، وقال له : لا تجزع ، فأمر الدنيا أيسر من ذلك ، فقال الطواف : أتظن أيها الشيخ أن جزعي لضياع ما ضاع ؟ لقد علم
--> ( 1 ) منتبذا : منعزلا عنهم . ( 2 ) أي ليتدفّأ . ( 3 ) أبو الوليد الباجي سليمان بن خلف الفقيه الأندلسي المالكي الذي أخذ عنه الطرطوشى مسائل الخلاف مات سنة 474 ه . سبقت ترجمته . ( 4 ) هو أبو ذر الهروي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الهروي أصله من هراة عالم بالحديث من الحفاظ ومن فقهاء المالكية ، يقال له ابن السماك له عدة تصانيف منها ( تفسير القرآن ) مات بمكة سنة 434 ه ( الأعلام للزركلي 3 / 249 ) . ( 5 ) أبو حفص عمر بن أحمد بن شاهين ، واعظ من أهل بغداد ، كان من حفاظ الحديث وله نحو ( 300 ) مصنف منها كتاب السنة ، والتفسير ، وناسخ الحديث ومنسوخه توفى سنة 385 ه ( الأعلام 5 / 40 ) . ( 6 ) في ( خ ) [ فبينا أنا جالس معه في الحانوت إذ جاء رجل من الطوّافين ممن يبيع العطر في طبق يحمله في يده ] .