محمد بن وليد الطرطوشي

455

سراج الملوك

وأخبرني شيخ مسنّ ، ممن كان يصحب العلماء بالقيروان « 1 » يقال له ( جرير ) قال : أخبرني عبد الكافي الديباجى قال : رأيت بالقيروان آية عظيمة ، وذلك أن رجلا جاء بصبىّ له ، وقد أسكت فلا يتكلم ، فدخل به إلى الفقيه أبى بكر بن عبد الرحمن ، وقال له : إنّ ابني هذا قد أسكت منذ أيام فلا يتكلم ، فأدع الله أن يفرّج ما نزل به ، قال : فدعا الشيخ ساعة ، ثم مسح وجه الصبى ، فاستفاق الصبى ، فقال له : قل لا إله إلا الله ، فقال الصبى : ( أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ) ثم التفت إلى الرجل ، وقال : اكتمها علىّ إلى الموت ، ثم التفت إلى جاريته ، فقال : اكتمى علىّ هذا إلى الموت ، وأنت حرة ، فلما كان يوم توفى الشيخ أبو بكر ، واجتمع الناس لجنازته ، وتكاثرت الأمم ، قام رجل فاستنصت الناس ، فسكتوا ، فقال : يا أهل القيروان : اسمعوا قصتي مع هذا الشيخ ، وذكر الحديث كما سقناه . وحدثني هذا الشيخ قال : نزلت « 2 » عندنا بالقيروان قصة ، لم يسمع في السالفين مثلها ، وذلك : أن بعض الجزّارين أضجع كبشا ليذبحه ، فتخبط بين يديه ، فأفلت منه وذهب ، فقام الجزار يطلبه ، وجعل يمشى إلى أن دخل خربة « 3 » فإذا فيها رجل مذبوح يتخبّط في دمه ، ففزع وخرج هاربا ، وإذا صاحب الشرطة والرجّالة عندهم خبر القتيل ، وجعلوا يطلبون خبر القاتل والمقتول ، فأصابوه بيده السكين وهو ملوث بالدم ، والرجل مقتول بالخربة ، فقبضوه وحملوه إلى السلطان ، فقال له : أنت قتلت الرجل ؟ قال نعم ، فما زالوا يستنطقونه ، وهو يعترف اعترافا لا إشكال فيه ، فأمر به السلطان ليقتل فأخرج للقتل ، واجتمع الأمم ليبصروا قتله ، فلما همّوا بقتله اندفع رجل من الحلقة المجتمعين ، فقال لهم : لا تقتلوه ، أنا قاتل القتيل ، فقبض وحمل إلى السلطان ، فاعترف وقال : أنا قتلته ، فقال له السلطان : قد كنت معافى من هذا ، فما حملك على الاعتراف ؟ قال : رأيت هذا الرجل يقتل ظلما ، فكرهت أن ألقى الله تعالى بدم رجلين ، فأمر به السلطان فقتل ، ثم قالوا للرجل : يا

--> ( 1 ) القيروان : مدينة تونسية بناها القائد المسلم عقبة بن نافع سنة 50 ه . كانت عاصمة الأغالبة ثم للفاطميين بالإضافة إلى المهدية . ( 2 ) نزلت : حدثت . ( 3 ) الخربة : الأرض الخراب عكس العمار .