محمد بن وليد الطرطوشي

446

سراج الملوك

قالوا : يا إبراهيم ، أما تخاف من آلهتنا أن تصيبك بسوء ، إن أنت سببتها أو عبتها ؟ قال : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً ، فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ الأنعام : 81 ] وكان آزر « 1 » يصنع أصناما يعبدها قومه ، ثم يعطيها إبراهيم يبيعها ، فيكسرها ويذهب بها إلى نهر لهم فيصبها فيه على رءوسها ، ويقول لها : اشربى ! استهزاء بها ، وإظهارا لقومه فساد ما هم عليه . ففشا ذلك عندهم من غير أن يبلغ ذلك نمروذ « 2 » فأوّل ما بدأ قومه أن فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ . فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ [ الصافات : 88 ، 89 ] يعنى من الغيظ عليهم وعلى أصنامهم ، فظنوا إنه مطعون ، وكانوا يفرّون من الطاعون إذا سمعوا به فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ . فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ [ الصافات : 90 ، 91 ] فدخل عليها وهم قد وضعوا لها طعاما وشرابا فَقالَ أَ لا تَأْكُلُونَ . ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ . فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ [ الصافات : 91 ، 93 ] وكسرها ، وقطع أيديها وأرجلها ، حتى جعلها جذاذا ، وأراق طعاما وشرابها ، وعمد إلى الفأس ، فعلقه بيد إلههم العظيم ، ثم خرج عنها وتركها . فلما رجع قومه من عيدهم ، دخلوا بيت أصنامهم ، فلمّا رأوا ما صنع بها ، راعهم ذلك وأعظموه و قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ . قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ [ الأنبياء : 59 ، 60 ] سمعناه يسبها ويستهزئ بها قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ [ الأنبياء : 61 ] فلما أتي بإبراهيم عليه السلام قالُوا أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ . قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ . فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ . ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ [ الأنبياء : 62 - 65 ] قالوا : إنا قد ظلمناه بما نسبنا إليه ، ثم قالوا : - وقد عرفوا أنها لا تضر ولا تنفع - لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ . قالَ أَ فَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ . أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الأنبياء : 65 - 67 ] فقال له نمروذ - حين سمع ذلك منه - صف لنا إلهك الذي تعبد وتدعو إلى عبادته .

--> ( 1 ) آزر : اسم والد إبراهيم الخليل وقيل أن اسمه « تارخ » وأن آزر هو لقب الصنم الذي كان يعبده . وقد قال ابن كثير إن الصواب أن اسمه « آزر » ( قصص الأنبياء - ابن كثير ص 120 ) . ( 2 ) نمروذ : قيل أنه أول ملك جبّار في الأرض وهو ملك بابل واسمه ( النمروذ بن كنعان بن كوش ابن حام بن نوح ) قال مجاهد : كان أحد ملوك الدنيا ، فقد ملك الدنيا أربعة ( مؤمنان وكافران ) المؤمنان : ذو القرنين وسليمان ، والكافران : النمرود وبختنصر . ( قصص الأنبياء - ابن كثير ص 129 ) .