محمد بن وليد الطرطوشي

447

سراج الملوك

قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ ، قالَ - نمروذ - أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ [ البقرة : 258 ] . قال : كيف ذلك ؟ قال : آخذ رجلين قد استوجبا القتل في حكمي ، فأقتل أحدهما ، فأكون قد أمّته ، وأعفو عن الآخر فأكون قد أحييته . فقال إبراهيم : إن كنت صادقا ، فأحي الذي قتلت بزعمك ، وأخرج روحا من جسد ، من غير أن تقتله إن كنت صادقا . قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ [ البقرة : 258 ] . فَبُهِتَ « 1 » عند ذلك النمروذ ، ولم يرد على إبراهيم شيئا ، وأمر به إلى السجن ، فلبث فيه سبع سنين ، وجعل يدعو أهل السجن إلى الله تعالى وإلى الإسلام ، حتى ظهر أمره وفشا ، واتّبعه قوم كثير على دينه . فلما أرادوا أن يحرقوا إبراهيم ، واجتمع أمرهم على ذلك ، بنوا حيزا طول جداره ستون ذراعا ، ووضعوه إلى سفح جبل منيف ، لا يرام ولا يرقا ، وبلّطوا الجدار ، فلا يمشى فيه أحد إلا زلق عنه ، وأذّن مؤذن نمروذ : أيّها الناس : احتطبوا لنار إبراهيم ، ولا يتخلّفن عنها ذكر ولا أنثى ، ولا حر ولا عبد ، ولا شريف ولا وضيع ، ومن تخلّف عن ذلك ألقى في تلك النار ، فعملوا في ذلك أربعين ليلة ، حتى إنّ المرأة منهم تنذر ذلك على نفسها لئن رجع غائبها أو أفاق عليلها . حتى إذا كمل ذلك قذفوا فيه النار ، حتى إنه كان يسمع وهج النار على المسافة البعيدة ، فلما بلغ ذلك ، وضع إبراهيم في كفة المنجنيق « 2 » . قال وهب بن منبه « 3 » : فبلغني أن السماء والأرض والبحار وما فيها ضجّوا

--> ( 1 ) تمام الآية : أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 2 ) المنجنيق : ألة حربية قديمة كانوا يرمون بها الحجارة الثقيلة على الأسوار فتهدمها . ( 3 ) وهب بن منبه : مؤرخ من التابعين ، من أهل اليمن اشتهر بمعرفة أخبار الأقدمين والأنبياء ، مات بصنعاء سنة 114 ه . سبقت ترجمته .