محمد بن وليد الطرطوشي
437
سراج الملوك
يقول شدّ شدّ ، حتى عرف عثمان أنه قد بلغ منه ، ثم قال : واها لقصاص الدنيا قبل قصاص الآخرة « 1 » . روى عون بن عبد الله « 2 » : أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم دعا خادما له فلم يجبه أو كان نائما ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لولا القصاص لأوجعتك ضربا » « 3 » وروى ابن وهب « 4 » في ( موطّئه ) عن ابن شهاب « 5 » قال : وقد أقاد « 6 » النبي صلى اللّه عليه وسلم والخليفتان من أنفسهم ، ليستنّ بهم ، ولم يتعمدوا حيفا « 7 » ، وكانوا سلاطين . ومن صحيح مسلم ، روى أبو هريرة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « أتدرون من المفلس » ؟ قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع ، فقال : « إن المفلس من أمتي ، يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ، ويأتي وقد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ، فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار » « 8 » . قال مالك : وبلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، لما ولى الخلافة ، ضرب رجلا ثم ندم ، وقال : ما لي ولهذا ؟ ألا رددتها عليهم « 9 » . فسمعته عائشة ، فأرسلت إلى عمر . فجاءه عمر ، فقال له : إني قد ضربت رجلا وقد كنت معافى من هذا أن أضرب . فقال عمر : كذلك الإمام ، فقال : فما المخرج ؟ قال : أن تأتي الرجل ، فتسأله أن يجعلك في حلّ . فأتياه فاستحلّاه « 10 » .
--> ( 1 ) ذكرت هذه الحكاية في تاريخ واسط برواية ابن أبي الفرات عن أبيه ( 1 / 184 ) . ( 2 ) عون بن عبد الله بن مسعود الهذلي من المحدثين الثقات والعابدين مات سنة 115 ه . ( الأعلام 5 / 98 ) . ( 3 ) رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية عن أم سلمة بلفظ : « لولا القصاص لأوجعتك بهذا السواك » الجامع الصغير رقم 7525 وقال حديث حسن وخرجه المتقي الهندي في كنز العمال برقم 39820 . ( 4 ) ابن وهب : الفقيه عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري ، المصري ، فقيه من الأئمة ، جمع الفقه والحديث والعبادة من أصحاب الإمام مالك توفى بمصر سنة 197 ه له كتابان في الحديث : الموطأ الصغير ، والموطأ الكبير . ( الأعلام 4 / 144 ) . ( 5 ) ابن شهاب الزهري : محمد بن مسلم بن عبد الله أول من دون الحديث وأحد أكثر الحفاظ والفقهاء من التابعين كان يحفظ ( 2400 ) حديثا نصفها مسند توفى سنة 124 ه . ( الأعلام 7 / 97 ) . ( 6 ) أقاد : من القود وهو القصاص . ( 7 ) حيفا : ظلما . ( 8 ) أخرجه الإمام مسلم في كتاب البر والصلة والآداب « باب تحريم الظلم » رقم ( 2581 ) وقال : إن حقيقة المفلس المذكور في هذا الحديث فهو الهالك الهلاك التام . ( 9 ) أي الخلافة . ( 10 ) استحلّاه : طلبا منه أن يجعله في حلّ .