محمد بن وليد الطرطوشي
438
سراج الملوك
دلّت الآثار على أن الأمير والمأمور في القصاص سواء ، إذا جنى أحدهما على الآخر ، وأن الأمير إذا ظلم المأمور ، زال تأمّره عليه في ذلك المعنى ، وكان الأمير في ذلك المعنى كبعض المؤمر عليهم ، حتى يتحاكموا إلى السلطان الأعظم . وكان عمر يقول : إنما بعثت أمرائى ، ليعلموا الناس دينهم ، ويقسموا بينهم فيئهم ، ويعدلوا فيهم ، ولم أبعثهم ليضربوا أبشارهم ويحلقوا أشعارهم ، فمن ظلمه أمير فلا إمرة عليه دوني حتى آخذ له بحقه . قال عمرو بن العاص : الله الله يا أمير المؤمنين ، إن ادّب رجل رجلا من رعيته ، إنك لتقصّه منه ؟ فقال عمر : كيف لا أقصّه منه وقد رأيت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقصّ من نفسه ؟ * * * فصل في القصاص بين البهائم « * » : فأما القصاص بين البهائم فاختلف النّاس في حشرها ، وفي جريان القصاص بينها . فكان ابن عباس يقول : حشرها موتها . قال : وحشر كلّ شيء الموت ، إلا الجنّ والأنس فإنهما يوافيان يوم القيامة . وقال معظم المفسرين : إنها تحشر ويقتصّ منها . قال ابن حبيب : تحشر البهائم . وقال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذّباب . وقال أبو الحسن الأشعري « 1 » : لا نقطع بإعادة البهائم والمجانين ومن لم تبلغه الدعوة ، ويجوز أن يعادوا ويدخلوا الجنة ، ويجوز أن لا يعادوا ، والدليل على ثبوت الإعادة في الجملة ، قوله تعالى : وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ [ التكوير : 5 ] وقال تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ إلى أن قال : ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ [ الأنعام : 38 ] .
--> * من إضافات المحقق . ( 1 ) أبو الحسن الأشعري : علي بن إسماعيل بن إسحاق من نسل الصحابي أبو موسى الأشعري ، ومؤسس مذهب الأشاعرة ، كان من أئمة المتكلمين والمجتهدين ولد في البصرة وتلقى مذهب المعتزلة وتقدم فيهم ثم خالفهم ، بلغت مصنفاته ثلاثمائة كتاب توفى ببغداد سنة 324 ه ( الأعلام 4 / 263 ) .