محمد بن وليد الطرطوشي

436

سراج الملوك

وروي أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال قبل موته : « من كانت له عندي مظلمة فليأت حتى أقصّه من نفسي » . فقام سواد بن غزيّة « 1 » فقال : يا رسول الله إنك ضربتني على بطني ليلة العقبة فأوجعتنى ، فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « دونك فاقتصّ » فقال : يا رسول الله : إنّك ضربتني وأنا مكشوف البطن ، فكشف النبي صلى اللّه عليه وسلم بطنه ، فإذا هي كالقباطىّ - يعنى ثياب مصر - فأكب عليه يقبله ، فقال : « يا سواد : ما حملك على هذا ؟ » فقال : يا رسول الله : دنا لقاء هؤلاء المشركين ، ولا ندري ، فأردت أن يكون آخر العهد بك ، ان أقبل بطنك « 2 » . فهذا رسول الله صلى اللّه عليه وسلم يقتصّ من نفسه ، مع أن الله تعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ، لعلمه أن الله تعالى لا يدع القصاص في المظالم بين العباد ، لأن الله تعالى أعدل من أن يدع مظلمة لأحد عند نبي ، ولا غيره . وفي الحديث يقول الله تعالى يوم القيامة : « أنا ظالم إن فاتنى ظلم ظالم » « 3 » . ويروى - أن داود عليه السلام - يقدمه خصمه إلى الله تعالى يوم القيامة ، فيقضى له عليه ، فيدفعه إلى ( أوريّا ) « 4 » سلما ، ثم يستوهبه الله تعالى من أوريا ، ثم يعوض أوريا عن ذلك الجنة . وقال حبيب « 5 » : دخل عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فوجد غلامه يعلف ناقة له ، وإذا في علفها شيء ، فأخذ بأذنه فعركها ، ثم ندم ، فقال لغلامه ، قم فاقتصّ منى ، فأبى الغلام ، فلم يزل به حتى قام فأخذ بأذنه ، ثم قال : أعرك أعرك « 6 » . وهو

--> ( 1 ) سواد بن غزية الأنصاري : من بنى عدى بن النجار ، شهد بدرا والمشاهد بعدها ، وكان عامل الرسول صلى اللّه عليه وسلم على خيبر . وذكر في ( ط ) سوار خطأ ( الإصابة 3 / 218 ) . ( 2 ) ذكر هذه الحادثة ابن هشام في السيرة النبوية ضمن أحداث غزوة بدر 2 / 268 ، وابن الأثير الجزري في أسد الغابة ج 2 رقم 32 مع اختلاف بسيط في الألفاظ . ومعنى القباطي : الثياب البيض الرقيقة . ومعنى « ولا ندري » : أي ربّما أقتل . ( 3 ) ورد الحديث القدسي في فتح الباري لشرح صحيح البخاري في باب القصاص يوم القيامة بلفظ : « لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم » ، وفي مجمع الزوائد للهيثمي بلفظ : « وعزتي وجلالي لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم » ( 10 / 353 ) . ( 4 ) أوريا : كان أحد قواد داود عليه السلام ذكر ابن الأثير قصة افتنان داود بزوجته وكيف أنه بقي يرسل أوريا للقتال حتى قتل ثم تزوج داود بامرأته ، والتي قيل أنها أنجبت له سليمان عليه السلام ، ثم ندم داود بعد ذلك ، انظر ( الكامل في التاريخ - ابن الأثير ج 1 ص 224 - 226 ) . ( 5 ) حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي من كبار الفاتحين خرج مجاهدا إلى الشام منذ أيام أبي بكر ، ودخل دمشق مع أبي عبيدة الذي ولّاه على أنطاكية وولّاه عمر على الجزيرة ، توفي سنة 42 ه في أرمينية ( الأعلام 2 / 166 ) . ( 6 ) ثم قال : « اعرك اعرك » كذا في ( خ ) ، وفي ( ط ) يعرك ، والأول أوجه .