محمد بن وليد الطرطوشي
387
سراج الملوك
ويروى أن عمر بن عبد العزيز استشار في قوم يستعملهم ، فقال له بعض أصحابه : عليك بأهل العدل ، قال : ومن هم ؟ قال : الذين إن عدلوا فهو ما رجوت ، وإن قصّروا قال الناس : اجتهد عمر . ولما قدم البريد من بشر بن مروان « 1 » على عبد الملك بن مروان سأله عن بشر ، قال : يا أمير المؤمنين : هو الشديد في غير عنف ، اللين في غير ضعف ، فقال عبد الملك ، ذلك الأعسر « 2 » الأجود ، الذي كان يأمن عنده البريء ، ويخاف لديه السقيم ، ويعاقب على قدر الذنب ، ويعرف موضع العفو ، الشديد في غير عنف ، اللين في غير ضعف ، كما كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه . وقال الحكيم : اعتبر الرجال بأفعالهم لا بعظم أجسامهم ، فإنّ النّسر مع عظمه لا يأكل إلا ميتا ، وطير الماء مع ضعفه يتحامى ميت السمك ، ويأكل الحي منها . وفي حكم الهند : السلطان الحازم ربما أحب الرجل فأقصاه واطّرحه مخافة ضرّه ، كالملسوع يقطع إصبعه لئلا ينتشر السّمّ في جسمه ، وربما أبغض الرجل فأكره نفسه على توليته وتقريبه ، لغناء يجده عنده ، كتكاره المرء على الدواء البشع لنفعه . إلا أن للإسلام شروطا ، فلا تستقيم هذه السيرة عليها ، ألا ترى أن علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، لما أفضت الخلافة إليه ، كان معاوية واليا على الشام ، من قبل عمر ثم عثمان ، فاستشار في أمره ، فقال له بعضهم : أقرّه على إمرته وأرسل إليه بعهده ، فإذا دخل بيعتك فاعزله ، فقال له : رحمك الله ، أتأمرني أن أطلب العدل بالجور ؟ ثم عزله ، فكأنه سبب عصيانه ، وهكذا أشاروا عليه ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، لو فضلت هؤلاء الأشراف ومن نتخوّف منهم ، وإنما الناس أصحاب دنيا ، حتى إذا استوثق الأمر عدت إلى التسوية ، فقال : أتأمروني أن أطلب العدل بالجور فيمن ولّيت عليه ؟ ! والله لو كان مالي لسوّيت بينهم ولم أفضل بعضهم على بعض ، فكيف والمال لهم .
--> ( 1 ) بشر بن مروان : أخو عبد الملك بن مروان وكان واليا على البصرة والكوفة توفى سنة 75 ه . ( 2 ) الأعسر : الذي يعمل بشماله والعامة تقول ( عسراوي ) .