محمد بن وليد الطرطوشي

373

سراج الملوك

مأدومة بسمن ، وأحيانا بزيت ، وأحيانا باللبن ، وربما وافقنا القديد « 1 » اليابس قد دقّ ، ثم أغلي عليه بماء ، وربما وافقنا اللحم الغريض « 2 » ، وهو قليل ، فقال لهم يوما : إني أرى والله تقذيركم وكراهيتكم لطعامى ، فإني لو شئت لكنت أطيبكم طعاما وأرقّكم « 3 » عيشا ، أما واللّه ما أجهل كراكر « 4 » وأسمنه « 5 » وأعرف صلاء ، وصنايا ، وصلائق . قال : والصلاء : الشواء ، والصناب : الخردل ، والصلائق : الخبز الرقاق - ولكني سمعت اللّه تعالى عيّر أقواما بأمر فعلوه فقال : أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها [ الأحقاف : 20 ] فكلمنا أبو موسى فقال : لو كلّمتم أمير المؤمنين لفرض لكم من بيت المال طعاما فأكلتموه ، فكلّمناه ، فقال : يا معشر الأمراء ، هل ترضون لأنفسكم ما أرضاه لنفسي ؟ فقلنا : يا أمير المؤمنين ، إن المدينة أرض ، العيش بها شديد ، ولا نرى طعامك يغنينا ، ولا يؤكل طعامك ، وإنا بأرض ذات ريف ، وإن أميرنا يغنينا ، وإن طعامه يؤكل . قال : فنظر ساعة ثم رفع رأسه وقال : قد فرضت لكم من بيت المال شاتين وجريبين ، فإذا كان بالغداة فضع إحدى الشاتين على إحدى الجريبين وكل أنت وأصحابك ، ثم ادع بشراب ، ثم اسق الذي عن يمينك ، ثم اسق الذي عن شمالك ، ثم قم لحاجتك ، وإذا كان العشاء ، فضع الشاة الغابرة « 6 » على الجريب الآخر ، فكل أنت وأصحابك ، إلا وأوسعوا الناس في بيوتهم ، وأطعموا عيالهم ، والله ما أظن رستاقا « 7 » يؤخذ منه كل يوم شاتان وجريبان ، إلا يسرعان في خرابه . وكان عمر قد أطعم جريبين بالخل والزيت لثلاثين رجلا فكفاهم ، فأجراه على كل رجل في كل شهر ، ممن كان في الديوان ، مكان ما كانت فارس تجرية على خيولهم وأساورهم « 8 » .

--> ( 1 ) القديد : اللحم المقطع . ( 2 ) اللحم الغريض : الطري . ( 3 ) أرقكم عيشا : أرغدكم وأهنأكم . ( 4 ) الكراكر : مفردها كركرة وهي صدر كل ذي خف من البهائم . ( 5 ) السنام : حدبة في ظهر الإبل . ( 6 ) أي الشاة الباقية . ( 7 ) الرستاق : كلمة فارسية معربة وتعنى السواد أو الصف من الناس أو السطر من النخل . ( 8 ) الأساور : تعنى عند الفرس القادة أو الفرسان الذين يرمون بالسهام .