محمد بن وليد الطرطوشي
374
سراج الملوك
وقال سعيد بن المسيّب « 1 » وأبو سلمة « 2 » : كان عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه أبا العيال ، يسلّم على أبوابهن ، ويقول : ألكنّ حاجة ؟ وأيّتكنّ تريد أن تشترى شيئا ؟ فيرسلن معه بحوائجهن ، ومن ليس عندها شيء اشترى لها من عنده ، وإذا قدم الرسول من بعض الثغور ، يتبعهن بنفسه في منازلهن بكتب أزواجهن ، ويقول : أزواجكنّ في سبيل الله ، وأنتن في بلاد رسول الله ، إن كان عندكن من يقرأ ، وإلا فاقر بن من الأبواب حتى أقرأ لكنّ ، ثم يقول : الرسول يخرج يوم كذا وكذا ، فاكتبن حتى نبعث بكتبكن ، ثم يدور عليهن بالقراطيس والدواة ، يقول : هذه دواة وقرطاس ، فادنين من الأبواب حتى أكتب لكنّ ، ويمرّ إلى المغيبات « 3 » فيأخذ كتبهن ، فيبعث بها إلى أزواجهن . وقال الربيع بن زياد الحارثي « 4 » : كنت عاملا لأبى موسى الأشعري على البحرين ، فكتب إليه عمر بن الخطاب يأمره بالقدوم عليه هو وعمّاله ، وأن يستخلفوا جميعا ، فلما قدمت المدينة أتيت يرفأ « 5 » فقلت : يا يرفأ ، مسترشد وابن سبيل ، أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عمّاله ؟ فأومأ إلى الخشونة ، فاتخذت خفين مطارقين « 6 » ، ولبست جبة صوف ، ولست عمامتي على رأسي ، فدخلنا على عمر ، فصففنا بين يديه ، فصعّد فينا وصوّب « 7 » ، فلم تأخذ عينه غيرى ، فدعاني ، فقال : من أنت ؟ قلت : الربيع بن زياد الحارثي ، قال وما تتولى من أعمالنا ؟ قلت : البحرين . قال : وكم ترزق ؟ قلت : ألفا . قال : كثير ، فما تصنع بها ؟ قلت : أتقوّت منها شيئا ، وأعود على أقارب لي ، فما فضل عنهم فعلى فقراء المسلمين ، قال : فلا بأس ، ارجع إلى موضعك ، فرجعت إلى موضعي من الصف ، فصعّد فينا وصوّب ، فلم تقع عينه إلا علىّ ، فدعاني ، فقال : كم سنّك ؟ قلت خمس وأربعون سنة ؟ قال : الآن حين استكملت .
--> ( 1 ) سعيد بن المسيب : سيد التابعين وأحد فقهاء المدينة السبعة جمع العلم والورع وكان يحفظ أحكام عمر وأقضيته حتى سمى « راوية عمر » توفى بالمدينة سنة 94 ه . ( الأعلام 3 / 102 ) . ( 2 ) الفقيه المحدّث أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، توفي سنة 94 ه ، وقد سبقت ترجمته . ( 3 ) المغيبات : من غاب أزواجهن . ( 4 ) الربيع بن زياد الحارثي أمير فاتح ، ولى البحرين ، ولّاه عبد اللّه بن عامر على سجستان ففتحت على يديه ، له أخبار مع عمر بن الخطاب ، بقي في إمارته إلى أن توفى سنة 53 ه ( الأعلام 3 / 14 ) . ( 5 ) يرفأ : خادم عمر بن الخطاب وحاجبه . ( 6 ) أي نعلين باليين وثوب طرائق أي خلق . ( 7 ) صعّد فينا وصوب : أي تأمل فينا ناظرا من أعلى إلى أسفل .