محمد بن وليد الطرطوشي
363
سراج الملوك
المسلمين فقالوا له : ما تصنع ؟ هذا يشغلك عن الناس وعن النظر في أمرهم . قال : فكيف أصنع ؟ قالوا : تتفرغ للنظر في أمورهم ، وتستنفق من هذا المال ، فباع تلك الإبل وغيرها من ماله ، إلا الأرض ، ثم طرحه في بيت المال ، فكان ينفق من المال على نفسه وعلى عياله . ثم كان عمر على مثل ذلك ، ثم وليه عمر بن عبد العزيز ، فلم ينفق منه ، فقيل له : قد صنع أبو بكر وعمر ما قد علمت . قال : أجل ، ولكني أخذت من هذا المال ، فإن يكن لي فيه حق فقد استوفيت وزدت ، ولولا ذلك لفعلت . قال ابن القاسم « 1 » : قلت لمالك : فأين قولهم عن عمر أنّه ردّ ثمانين ألفا ؟ قال : كذبوا ، إنما يقول هذا أعداء الله ، هو لم يجز لولده سلف أبى موسى إياه ، حين أخذ منه نصفه ، فكيف يأخذ من مال الله ثمانين ألفا ! ؟ فلما توفى أبو بكر ، استرجع على رضي الله عنه ، وجاء مسرعا باكيا ، وقال : [ رحمك الله أبا بكر ، لقد كنت والله أول القوم إسلاما ، وأكملهم إيمانا ، وأشدهم يقينا ، وأخوفهم لله تعالى ، وأحوطهم على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وأشبههم به هديا وخلقا ، وسمتا وفضلا ، وأكرمهم عليه ، وأرفعهم عنده ، فجزاك الله عن الإسلام خيرا ، صدّقت رسول الله حين كذّبه الناس ، فسماك الله في كتابه ( صدّيقا ) فقال تعالى : وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [ الزمر : 33 ] وآنسته حين تخلفوا ، وقمت معه حين قعدوا ، وصحبته في الشدة حين تفرقوا أكرم الصحبة ، ثاني اثنين وصاحبه في الغار ، ورفيقه في الهجرة ، والمنزّل عليه السكينة ، وخلفته في أمته أحسن الخلافة ، فقويت حين ضعف أصحابك ، وبرزت حين استكانوا ، وقمت بالأمر حين فشلوا ، ومضيت بقوة إذ وقفوا ، كنت أطولهم صمتا ، وأبلغهم قولا ، وأشجعهم قلبا ، وأشدّهم يقينا ، وأحسنهم عملا ، كنت كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ضعيفا في بدنك ، قويا في أمر دينك ، متواضعا في نفسك ، عظيما محبوبا إلى أهل السماوات والأرض ، فجزاك الله عنّا وعن الإسلام خيرا » « 2 » . وقال عمر : رحم الله أبا بكر ، لقد أتعب من بعده تعبا شديدا .
--> ( 1 ) عبد الرحمن بن القاسم بن جنادة : فقيه من أصحاب الإمام مالك . ( 2 ) جزء من خطبة علي بن أبي طالب رضي الله عنه في تأبين أبى بكر الصديق لما سمع بخبر وفاته رضي الله عنه ( والخطبة ذكرت في كتب السير منها مشاهير الإسلام / رفيق بك العظم ) .