محمد بن وليد الطرطوشي

364

سراج الملوك

وروى البيهقي ، عن عمر رضي الله عنه ، أنه قال : إني أنزلت نفسي من مال الله تعالى بمنزلة ولى اليتيم ، إن استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف . وفي رواية أخرى : إن احتجت أخذت منه ، فإذا أيسرت رددته . وفي رواية أخرى : أخبركم بما أستحلّ من مال الله تعالى - وما قال : يحل لي - استحل منه حلّتين : حلة للشتاء ، وحلة للقيظ ، وما أحج عليه واعتمر ، وقوتى وقوت عيالي ، كقوت رجل من قريش ، لا من أغنيائهم ولا من فقرائهم ، ثم أنا بعد ذلك رجل من المسلمين يصيبني ما أصابهم . وقال أنس بن مالك « 1 » : غلا الطعام على عهد عمر رضي الله عنه ، فأكل خبز الشعير ، وكان قبل ذلك لا يأكله ، فاستنكره بطنه فصوّت ، فضربه بيده ، وقال : هو والله ما ترى ، حتى يوسّع الله على المسلمين . وقال أبو عثمان النهدي « 2 » : رأيت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، يطوف بالبيت وعليه جبة « 3 » صوف فيها اثنتا عشرة رقعة ، إحداها بأدم « 4 » أحمر . وقال عطاء بن السائب « 5 » استعمل عمر بن الخطاب السائب بن الأقرع « 6 » على المدائن « 7 » ، فدخل إيوانا من إيوان « 8 » كسرى ، فإذا صنم يشير بإصبعه إلى الأرض قد عقد أربعين ، فقال : والله ما يشير هذا إلى الأرض إلا وثمّ شيء ،

--> ( 1 ) أنس بن مالك : أنصارى رضي الله عنه خادم رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أخواله بنو النجار وكنيته أبو حمزة من فقهاء الصحابة توفى سنة 93 ه . ( الأعلام 2 / 24 ) . ( 2 ) أبو عثمان النهدي : عبد الرحمن بن ملّ أسلم على عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم اشترك في القادسية ونهاوند وتستر وأذربيجان ، كان كثير العبادة زاهدا عالما توفى وعمره 130 بالكوفة سنة 76 ه ( البداية والنهاية - ابن كثير 9 / 15 ) . ( 3 ) الجبة : ثوب واسع يلبس فوق الثياب . ( 4 ) الأدم : باطن أو ظاهر الجلد . ( 5 ) عطاء بن السائب : الثقفي محدث الكوفة كان من كبار العلماء ، لكنه ساء حفظه قليلا في أواخر عمره ، وكان من خيار عباد الله تعالى ، مات سنة 136 ه ( سير أعلام النبلاء 6 / 110 ) . ( 6 ) السائب بن الأقرع : الثقفي ولّاه عمر بن الخطاب على المدائن والقصة المذكورة هنا أوردها ابن الأثير في الكامل ج 3 / 14 ) . ( 7 ) المدائن : سماها العرب بذلك لأنها سبع مدائن بين كل مدينة إلى الأخرى مسافة قريبة أو بعيدة وآثارها باقية ، لمّا زال ملك بنى أمية وبنى المنصور بغداد انتقل الناس إليها وهي اليوم قرية تبعد عن بغداد ستة فراسخ أهلها يفلحون ويزرعون وغالبهم شيعة وفيها قبر سلمان الفارسي قرب الإيوان . ( معجم البلدان 5 / 75 ) . ( 8 ) الإيوان : الصفّة العظيمة أو المكان المتسع في البيت يحيطه ثلاثة حيطان ومنها إيوان كسرى في المدائن ( والكلمة فارسية ) .