محمد بن وليد الطرطوشي

362

سراج الملوك

الباب التاسع والأربعون في سيرة السلطان في الإنفاق من بيت المال وسيرة العمال اعلم : أن يوسف الصديق عليه السلام ، لما ملك خزائن الأرض كان يجوع ويأكل الشعير ، فقيل له : أتجوع وبيدك خزائن الأرض ؟ فقال : أخاف أن اشبع فأنسى الجائعين . وروى البيهقي « 1 » بإسناده قال : لما استخلف أبو بكر الصديق رضى اللّه عنه ، غدا إلى السوق ، فقال له عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه : أين تريد ؟ قال : السوق ، قال : قد جاءك ما يشغلك عن السوق ، قال : سبحان اللّه ، يشغلني عن عيالي ؟ قال : نفرض لك بالمعروف ، قال : فأنفق في سنتين وبعض أخرى ، ثمانية آلاف درهم ، ووصّى أن تردّ من ماله في بيت المال . وروى هذه القصة الحسن البصري ، قال : لما حضرت أبا بكر الوفاة ، قال : انظروا كم أنفقت من مال اللّه ؟ فوجدوه قد أنفق في سنتين ونصف ثمانية آلاف درهم ، قال : اقضوها عنى ، فقضوها عنه ، ثم قال : يا معشر المسلمين إنه قد حضر من قضاء اللّه ما ترون ، ولا بد لكم من رجل يلي أمركم ، ويصلى بكم ، ويقاتل عدوكم ، فإن شئتم اجتمعتم وائتمرت لكم ، وإن شئتم اجتهدت لكم ، فو الذي لا إله إلا هو ، ما آلوكم ونفسي خيرا ، فبكوا ، وقالوا : أنت خيرنا وأعلمنا ، فاختر لنا ، فقال : قد اخترت لكم عمر . وروى مالك هذه القصة ، على غير هذا الوجه ، قال : بلغني أن أبا بكر لما ولي ، لم ينفق من مال اللّه شيئا ، وغدا يوما من بنى عمرو بن عوف « 2 » ، وكانت له هناك امرأة من الأنصار في جمال له ، يريد أن يبيعها ، فلقيه بعض

--> ( 1 ) البيهقي : الحافظ الكبير أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي والبيهقي نسبة إلى بيهق . كان أوحد أهل زمانه في الإتقان والحفظ والفقه والتصنيف ، وكان فقيها محدثا أصوليا ، جمع أشياء كثيرة نافعة لم يسبقه أحد إلى مثلها منها كتاب السنن الكبرى والسنن الصغرى ونصوص الشافعي وشعب الإيمان والآداب وغيرها كان زاهدا كثير العبادة والورع مات سنة 458 ه . ( الأعلام 1 / 116 ) . ( 2 ) عمرو بن عوف جد جاهلي من الأزد سلالته عدة بطون .