محمد بن وليد الطرطوشي
36
سراج الملوك
ساروا فيه بسيرة جميلة ، لا ينافي العقول شيء منه ، لو كانت الأصول صحيحة ، والقواعد واجبة ، فكانوا في حسن سيرتهم بحفظ تلك الأصول الفاسدة ، كمن زخرف كنيفا « 1 » ، أو بنى على ميّت قصرا منيفا . ولو لبس الحمار ثياب خزّ * لقال النّاس يا لك من حمار « 2 » فجمعت محاسن ما انطوت عليه سيرهم ، خاصة من ملوك الطوائف وحكماء الدول ، فوجدت ذلك في ستّ من الأمم وهم : ( العرب ، والفرس ، والروم ، والهند ، والسند ، والسندهند ) . فأما ملوك الصين وحكماؤهم ، فلم يصل إلى أرض العرب من سياساتهم شيء كثير « 3 » ، لبعد الشّقّة وطول المسافة ، وأما من عدا هؤلاء من الأمم ، فلم يكونوا أهل حكم بارعة ، وقرائح نافذة ، وأذهان ثاقبة ، وإنما صدر عنهم الشيء اليسير من الحكمة ، فنظمت ما ألفيت في كتبهم من الحكمة البالغة ، والسّير المستحسنة ، والكلمة اللطيفة ، والطريقة المألوفة ، والتوقيع الجميل ، والأثر النبيل ، إلى ما رويته وجمعته من سير الأنبياء عليهم السلام ، وآثار الأولياء ، وبراعة العلماء ، وحكمة الحكماء ، ونوادر الخلفاء ، وما انطوى عليه القرآن العزيز ، الذي هو بحر العلوم ، وينبوع الحكم ، ومعدن السياسات ، ومغاص الجواهر المكنونات ، إن اختصر : فلمحة دالة وإشارة خفيّة ، وإن أطال : فألفاظ بارعة وآيات معجزة ، هو الهادي من الضلالة ، والحاوي لمحاسن الدنيا وفضائل الآخرة . ورتبته ترتيبا أنيقا ، وترجمته تراجم بارعة ، حاوية لمقاصدها ، ناطقة بحكمها ومضمونها ، يلج الأذن من غير إذن ، ويتولج التأمور « 4 » من غير استئمار ، ألفاظها قوالب لمعانيها ، ليس ألفاظها إلى السمع بأسرع من معانيها إلى القلب ، فانتظم الكتاب بحمد اللّه وعونه وإحسانه ، غاية في بابه ، غريبا في فنونه وأسبابه ، خفيف المحمل ، كثير الفائدة ، لم تسبق إلى مثله أقلام
--> ( 1 ) الكنيف : الساتر أو المرحاض . ( 2 ) الخز : الحرير . ( 3 ) في ( خ ) فلم تبلغ إلى أرض المغرب من سياستهم كبير شيء . ( 4 ) التأمور : يطلق على القلب أو على الإنسان ، والمعنى هنا : يدخل القلب .