محمد بن وليد الطرطوشي

37

سراج الملوك

العلماء ، ولا جالت في نظمه أفكار الفضلاء ، ولا حوته خزائن الملوك والرؤساء ، فلا يسمع به ملك إلا استكتبه ، ولا وزير إلا استصحبه ، ولا رئيس إلا استحسنه واستوسده ، عصمة لمن عمل به من الملوك وأهل الرئاسة ، وجنّة لمن تحصن به من أولي الأمر والسياسة ، وجمال لمن تحلى به من أهل الآداب والمحاضرة ، وعنوان لمن فاوض به من أهل المجالسة والمذاكرة . وسمّيته : [ سراج الملوك ] ، يستغني الحكيم بدراسته عن مباحثه الحكماء « 1 » والملوك عن مشاورة الوزراء . واعلموا - وفقكم الله - أن أحقّ من أهديت إليه الحكم ، وأوصلت إليه النصائح ، وحملت إليه العلوم ، من آتاه اللّه سلطانا ، فنفّذ في الخلق حكمه ، وجاز عليهم قوله . ولما رأيت الأجلّ المأمون ، تاج الخلافة ، عز الإسلام ، فخر الأنام ، نظام الدين ، خالصة أمير المؤمنين [ أبا عبد الله محمد الآمري ] « 2 » ، أدام اللّه لإعزاز الدين نصره ، وأنفذ في العالمين بالحق أمره ، وأوزع كافة الخلق شكره ، وكفاهم فيه محذوره وضرّه ، فقد تفضّل اللّه تعالى به على المسلمين ، فبسط فيهم يده ، ونشر في مصالح أحوالهم كلمته ، وعرف الخاصّ والعام يمنه وبركته ، وتقلّد أمور الرعيّة ، وسار فيهم على أحسن قضية ، متحريا للصواب ، راغبا في الثواب ، طالبا سبل « 3 » العدل ، ومناهج الإنصاف والفضل ، رغبت أن أخصّه بهذا الكتاب ، رجاء لطف اللّه تعالى ، يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً [ آل عمران : 30 ] ، ولنذكر فضائله ومحاسنه ما بقي الدهر ، كما قيل : الناس يهدون على قدرهم * لكنّني أهدي على قدري يهدون ما يفنى وأهدي الذي * يبقى على الأيّام والدّهر فإن العلم عصمة الملوك والأمراء ، ومعقل السلاطين والوزراء ، لأنه يمنعهم من الظّلم ، ويردّهم إلى الحلم ، ويصدّهم عن الأذيّة ، ويعطّفهم على الرعية ،

--> ( 1 ) في ( خ ) العلماء . ( 2 ) في ( ط ) الأموي ، والآمري نسبة إلى الحاكم بأمر اللّه الفاطمي ، انظر ترجمته في مقدمة المحقق . ( 3 ) في ( ط ) سبيل .