محمد بن وليد الطرطوشي
359
سراج الملوك
من لا ينفعنا ، ولا يغنى عنا ، فبكى نظام الملك ، وقال : يا بني أنا شيخ أعجمي لو نودي علىّ فيمن يزيد ، لم أحفظ خمسة دنانير ، وأنت غلام تركى لو نودي عليك ، عساك تحفظ ثلاثين دينارا ، وأنت مشتغل بلذاتك ، منهمك في شهواتك ، وأكثر ما يصعد إلى الله تعالى معاصيك دون طاعتك ، وجيوشك الذين تعدهم للنوائب إذا احتشدوا كافحوا عنك بسيف طوله ذراعان ، وقوس لا ينتهى مدى مرماه ثلاثمائة ذراع ، وهم مع ذلك مستغرقون في المعاصي والخمور ، والملاهي ، والمزمار ، والطنبور « 1 » ، وأنا أقمت لك جيشا يسمى جيش الليل ، إذا نامت جيوشك ليلا ، قامت جيوش الليل على أقدامهم صفوفا بين يدي ربهم ، فأرسلوا دموعهم ، وأطلقوا بالدعاء ألسنتهم ، ومدّوا إلى الله أكفّهم ، بالدعاء لك ولجيوشك ، فأنت وجيوشك في خفارتهم تعيشون ، وبدعائهم تبيتون ، وببركاتهم تمطرون وترزقون ، تخرق سهامهم إلى السماء السابعة بالدعاء والتضرّع . فبكى أبو الفتح الملك بكاء شديدا ثم قال : ( شاباش يا أبت شاباش ) « 2 » ، أكثر لي من هذا الجيش . ومن مناقب هذا الرجل وفضائله : أنّ رجلا قصده يقال له : أبو سعيد الصوفي ، فقال له : يا خواجا : انا أبنى لك مدرسة ببغداد ( مدينة السلام ) ، لا يكون في معمور الأرض مثلها ، يخلد بها ذكرك إلى أن تقوم الساعة ، قال : افعل . وكتب إلى وكلائه ببغداد ، ان يمكّنوه من الأموال ، فابتاع بقعة على شاطئ دجلة ، وخط المدرسة النظاميّة ، وبناها أحسن بنيان ، وكتب عليها اسم نظام الملك ، وبنى حولها أسواقا تكون محبسة عليها ، وابتاع ضياعا وخانات وحمامات وأوقفت عليها ، فكملت لنظام الملك بذلك رئاسة ، وسؤدد ، وذكر جميل ، طبّق الأرض خبره « 3 » ، وعم المشارق والمغارب أثره ، وكان ذلك في سنى عشر الخمسين وأربعمائة من الهجرة ، ثم رفع حساب النفقات إلى نظام الملك ، فبلغ ما يقارب ( ستين ألف دينار ) ، ثم نمى الخبر إلى نظام الملك ، من الكتّاب وأهل الحساب ، أن جميع ما أنفق فيها نحوا من تسعة عشر ألف دينار ، وأن سائر الأموال احتجبها لنفسه وخانك فيها ، فدعاه نظام الملك إلى
--> ( 1 ) الطنبور : آلة طرب ذات عنق طويل لها أوتار من نحاس ( فارسية ) . ( 2 ) شاباش : كلمة فارسية تعنى : لا بأس ولا مانع . ( 3 ) طبق خبره : اى عم وانتشر .