محمد بن وليد الطرطوشي

360

سراج الملوك

أصبهان للحساب ، فلما أحس أبو سعيد بذلك ، أرسل إلى الخليفة أبي العباس « 1 » يقول : هل لك في أن أطبق الأرض بذكرك ، وانشر لك عزا لا تمحوه الأيام ؟ قال : وما هو ؟ قال نمحو اسم نظام الملك عن هذه المدرسة ، ونكتب عليها اسمك ، وتزن له ستين ألف دينار ، فأرسل إليه الخليفة يقول له : انفد من يقبض المال ، فلما استوثق منه مضى إلى أصبهان ، فقال له نظام الملك : إنك قد رفعت إلينا نحوا من ستين ألف دينار نفقة ، وأحب إخراج الحساب ، فقال له أبو سعيد : لا تطل الخطاب إن رضيت وإلا محوت اسمك المكتوب عليها ، وكتبت عليها اسم غيرك ، وأرسل معي من يقبض المال ، فلما أحس نظام الملك بذلك ، قال : يا شيخ : قد سوغنا لك جميع ذلك كله ، ولا تمح اسمنا ، ثم أنّ أبا سعيد بنى بتلك الأموال الرباطات « 2 » للصوفية واشترى الضياع والخانات والبساتين والدور ، وأوقف كل ذلك على الصوفية ، فالصوفية إلى يومنا هذا ، في رباط أبي سعيد الصوفي وأوقافه ، يتقلبون ببغداد ، ففي مثل هذه المناقب فليتنافس المتنافسون ، ولمثل هذا فليعمل العاملون ، فإن فيها عزّ الدنيا وشرف الآخرة ، وحسن الصيت وخلود جميل الذكر ، فإنّا لم نجد شيئا يبقى على الدهر إلا الذكر ، حسنا كان أو قبيحا ، وقال الشاعر : ولا شيء يدوم فكن حديثا * جميل الذّكر فالدّنيا حديث فانتهز فرصة العمر ومساعدة الدنيا ونفوذ الأمر ، وقدّم لنفسك كما قدموا ، تذكر بالصالحات كما ذكروا ، وادّخر لنفسك في الآخرة كما ادخروا ، واعلم أنّ المأكول للبدن ، والموهوب للمعاد ، والمتروك للعدو ، فاختر أي الثلاث شئت والسلام .

--> ( 1 ) أبو العباس : هو الخليفة العباسي الثامن والعشرون المستظهر بأمر الله ، وقد تولى الخلافة سنة 487 ه وعليه فإنه يبدو أن في الأمر خلطا ، حيث أن نظام الملك مات سنة 485 ه فيكون المقصود الخليفة العباسي المقتدي بأمر الله عبد الله بن محمد بن القائم بأمر الله ( أبو القاسم ) الذي تولى الخلافة سنة 467 ه إلى 487 ه أو من قبله وهو القائم بأمر الله عبد الله بن أحمد ، أبو جعفر مات سنة 467 ه لأن هذه المدارس أسست في الخمسينيات من القرن الخامس ، فالخلط يبدو في كنية الخليفة والله أعلم . ( 2 ) الرباطات : واحدها « الرابط » وهي المعاهد المبنية والموقوفة للفقراء .