محمد بن وليد الطرطوشي
358
سراج الملوك
الملوك والوزراء ، وذلك أنى لما كنت بالعراق ، وكان الوزير نظام الملك « 1 » - والغالب على ألقابه « خواجا بزرگ » « 2 » رحمه الله تعالى - قد وزر لأبى الفتح ملك الترك ابن ألب أرسلان ، وكان قد وزر لأبيه من قبله ، فقام بدولتهما أحسن قيام ، فشد أركانها ، وشيّد بنيانها ، واستمال الأعداء ، ووالى الأولياء ، واستعمل الكفاة ، وعم إحسانه العدو والصديق ، والبغيض والحبيب ، والبعيد والقريب ، حنى ألقى الملك بجرانه « 3 » ، وذل الخلق لسلطانه ، وكان الذي مهّد له ذلك بإذن الله تعالى وتوفيقه ، أنه أقبل بكليته على مراعاة حملة الدين ، فبنى دور العلم للفقهاء ، وأنشأ المدارس للعلماء ، وأسّس الرّباطات « 4 » للعبّاد والزّهّاد وأهل الصلاح والفقراء ، ثم أجرى لهم الجرايات والكساوي والنفقات ، وأجرى الخير والرزق لمن كان من أهل الطلب للعلم مضافا إلى أرزاقهم ، وعمّ بذلك سائر أقطار مملكته ، فلم يكن من أوائل الشام - وهي ( بيت المقدس ) - إلى سائر الشام الأعلى ، وديار بكر ، والعراقين وخراسان بأقطارها ، إلى سمرقند من وراء نهر جيحون ، مسيرة زهاء مائة يوم حامل علم أو طالبه ، أو متعبد أو زاهد في زاويته ، إلا وكرامته شاملة له ، وسابغة عليه ، وكان الذي يخرج من بيوت أمواله في هذه الأبواب ( ستمائة ألف دينار ) في كل سنة ، فوشى به الوشاة إلى أبى الفتح الملك ، وأوغروا صدره عليه ، وقالوا : إنّ هذا المال المخرج من بيوت الأموال ، يقيم به جيشا يركز رايته في سور قسطنطينية ، فخامر ذلك قلب أبى الفتح الملك ، فلما دخل عليه قال : يا أبت ، بلغني أنك تخرج من بيوت الأموال كل سنة ( ستمائة ألف دينار ) إلى
--> ( 1 ) الوزير نظام الملك أبو علي الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي ، منشئ المدارس النظامية في بغداد ، والبصرة وطوس ونيسابور ومرو وأصفهان وغيرها ، تنقلت به الأحوال إلى أن أصبح وزيرا للسلطان ألب أرسلان وبقي في خدمته عشر سنين ، ولما مات خلفه ولده ملكشاه وصار الأمر كله لنظام الملك ، وأقام على هذا عشرين سنة حيث دبّر ممالكه على أتم مما ينبغي وذلك أيام الخلفة العباسي المقتدى بالله ، ولكن ساءت الأمور في النهاية بسبب الوشاة ، بين الوزير والسلطان ، فقتل يرحمه الله في ليلة الجمعة سنة 485 قرب نهاوند ( وفيات الأعيان 2 / 128 ، والأعلام 2 / 202 ) . ( 2 ) من ألقاب الوزير نظام الملك ( خواجا بزرك ) . ( 3 ) ألقى بجرانة : كناية عن الثبات والاستقرار مستعارة من قولهم ( ألقى البعير جرانه ، إذا برك ) ( وألقى المسافر عصاه ، إذا وصل إلى مكان قصده ) . ( 4 ) الرباطات : الأماكن المبنية للفقراء والزهّاد .