محمد بن وليد الطرطوشي

347

سراج الملوك

وفي منثور الحكمة : من جاوز في الحلب حلب الدّم . وفي الأمثال : إذا استقصى العجل في مصّ أمّه رفسته . وقال جعفر بن يحيى « 1 » : الخراج عمود الملك ، وما استغرر بمثل العدل ، ولا استتر بمثل الظلم « 2 » ، وأسرع الأمور في خرائب البلاد : تعطيل الأرضين ، وهلاك الرعية ، وانكسار الخراج بالجور ، والتحامل . ومثل السلطان إذا حمل على أهل الخراج حتى ضعفوا عن عمارة الأرضين ، مثل من يقطع لحمه ويأكله من الجوع ، فهو وإن قوى من ناحية ، فقد ضعف من ناحية ، وما أدخل على نفسه من الوجع والضعف ، أعظم مما دفع عن نفسه من ألم الجوع . ومثل من كلّف الرعية من الخراج فوق طاقتها ، كالذي يطين سطحه بتراب أساس بيته ، ومن يدمن حزّ العمود يوشك أن يضعف فتقع الخيمة . وإذا ضعف المزارعون عجزوا عن عمارة الأرضين ، فيتركونها فتخرب الأرض ، ويهرب الزّرّاع ، فتضعف العمارة ، فيضعف الخراج ، وينتج ذلك ضعف الأجناد ، وإذا ضعف الجند طمع الأعداء في السلطان . أيها الملك : كن بما يبقى في يد رعيّتك ، أفرح منك بما تأخذ منها لا يقلّ مع الصلاح شيء ، ولا يبقى مع الفساد شيء ، وصيانة القليل أولى من تربية الجليل - فلا مال لأخرق ولا عيلة « 3 » لمصلح . وروي أن المأمون أرق ليلة ، فاستدعى سميرا فحدّثه بحديث ، فقال : يا أمير المؤمنين : كان بالموصل بومة « 4 » ، وبالبصرة بومة ، فخطبت بومة الموصل إلى بومة البصرة بنتها لابنها ، فقالت بومة البصرة : لا أنكحك ابنتي إلا أن تجعلي في صداقها مائة ضيعة خراب ، فقالت بومة الموصل : لا أقدر عليها الآن ، ولكن إن دام والينا - سلّمه الله - علينا سنة واحدة ، فعلت لك ذلك ، قال : فاستيقظ المأمون ، وجلس للمظالم ، وأنصف الناس بعضهم من بعض ، وتفقّد أمر الولاة .

--> ( 1 ) جعفر بن يحيى البرمكي : وزير الرشيد ، سبقت ترجمته . ( 2 ) استغزر : من الغزارة والكثرة . واستتر : اختفى أو أصبح قليلا . ( 3 ) العيلة : الفقر . ( 4 ) البومة : للذكر والأنثى - طائر يسكن الخراب يضرب به المثل في الشؤم .