محمد بن وليد الطرطوشي

348

سراج الملوك

وسمعت بعض شيوخ الأندلس من الأجناد ، وغيرهم يقولون : ما زال أهل الإسلام ظاهرين على عدوهم ، وأمر العدو في ضعف وانتقاص ، لمّا كانت الأرض مقطّعة في أيدي الأجناد ، فكانوا يستغلونها ، ويرفقون بالفلاحين ، ويربونهم كما يربي « 1 » التاجر تجارته ، وكانت الأرض عامرة ، والأموال وافرة ، والأجناد متوافرين ، والكراع « 2 » والسلاح فوق ما يحتاج إليه ، إلى أن كان الأمر في آخر أيام ابن أبي عامر « 3 » ، فرد عطايا الجند مشاهرة بقبض الأموال على النّطع « 4 » ، وقدّم على الأرض جباة يحبونها ، فأكلوا الرعايا واجتاحوا أموالهم « 5 » ، واستضعفوهم ، فتهاربت الرعايا ، وضعفوا عن العمارة ، فقلّت الجبايات المرتفعة إلى السلطان ، وضعفت الأجناد ، وقوى العدو على بلاد المسلمين ، حتى أخذ الكثير منها ، ولم يزل أمر المسلمين في نقص ، وأمر العدو في ظهور ، إلى أن دخلها المتلثمون « 6 » فردوا الإقطاعات كما كانت في الزمان القديم ، ولا أدرى ما يكون وراء ذلك . * * *

--> ( 1 ) ربا الشئ : أي زاد ونما . ( 2 ) الكراع : الخيل . ( 3 ) هو المنصور بن أبي عامر الذي استقل بأمور الدولة في الأندلس لمدة 26 سنة وقد سبقت ترجمته . ( 4 ) النّطع : بساط من الجلد يفرش تحت المحكوم عليه بالعذاب أو بقطع الرأس ، والمقصود هنا مقاسمتهم أرزاقهم وأكلها بالقوة . ( 5 ) اجتاح ماله : أي أتى عليه وأفقره . ( 6 ) الملثمون : اسم أطلق على بعض قبائل البربر في إفريقية ، منهم المرابطون والطوارق .