محمد بن وليد الطرطوشي
324
سراج الملوك
ولتدعوا لهم » « 1 » وهذا حديث عظيم الموقع في هذا الباب ، فندفع إليهم ما طلبوا من الظلم ، ولا ننازعهم فيه ، ونكف ألسنتنا عن سبّهم . يا عبد الله ، لا تجعل سلاحك على من ظلمك الدّعاء عليه ، ولكن الثّقة بالله ، فلا محنة فوق محنة إبراهيم عليه السلام ، لما جعلوه في كفة المنجنيق « 2 » ليقذف به في النار قال : « اللهم إنك تعلم إيماني بك ، وعداوة قومي فيك ، فانصرنى عليهم ، واكفنى كيدهم » . وقال مالك بن دينار « 3 » : وجدت في بعض الكتب ، يقول الله تعالى : « إني أنا الله ، ملك الملوك ، قلوب الملوك بيدي ، فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة ، ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة ، فلا تشغلوا أنفسكم بسبّ الملوك ، ولكن توبوا إلى الله ، أعطّفهم عليكم » . وفي بعض الكتب : ( ابن آدم ؛ تدعو على من ظلمك ، ويدعو عليك من ظلمته ، فإن شئت أجبناك وأجبنا عليك ، وإن شئت أخّرت الأمر إلى يوم القيامة ، فيسعكم العفو ) . وقال سليمان بن داود عليهما السلام : لا تجعل ملجأك في الأعداء المكافأة ، ولكن الثقة بالله . وروى أبو داود في السنن قال : ( سرقت ملحفة لعائشة رضي الله عنها ، فجعلت تدعو على من أخذها ، فسمعها النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : « لا تسبّخى عنه » « 4 » يعنى : لا تخفّفي عنه . فنهاها عن الدعاء على الظالم كما ترى . فإذا قال المظلوم في دعائه : « اللهم لا توفّقه » فقد دعا على نفسه ، وعلى سائر الرعيّة ، لأنه من قلة توفيقه ظلمك ، ولو كان موفّقا ما ظلمك ، فإن استجيب دعاؤك فيه ، زاد ظلمه لك . - ومن الألفاظ المروية عن سلف هذه الأمة قولهم : ( لو كانت عندنا دعوة مستجابة ، ما جعلناها إلا في السلطان ) .
--> ( 1 ) رواه أبو داود في سننه عن ثابت بن الغصين برقم 1588 وبلفظ مشابه . والمقصود بالركب : جامعوا الصدقات والزكاة . ( 2 ) المنجنيق : آلة حربية يونانية كانوا يرمون بها الحجارة على الأعداء . ( 3 ) مالك بن دينار البصري : أبو يحيى من رواة الحديث ، كان ورعا يأكل من كسبه ويكتب المصاحف بالأجرة ، توفى في البصرة سنة 131 ه ( 4 ) رواه أبو داود في العبادات ( باب الدعاء على العصاة برقم 1497 عن عائشة رضي الله عنها ورواه الإمام أحمد في مسند 6 / 45 ، 136 .