محمد بن وليد الطرطوشي

325

سراج الملوك

وقال الفضيل « 1 » : لو ظفرت ببيت المال ، لأخذت من حلاله ، وصنعت منه أطيب الطعام ، ثم دعوت الصالحين ، وأهل الفضل ، من الأخيار والأبرار ، فإذا فرغوا قلت لهم : تعالوا ندعو ربنا أن يوفق ملوكنا ، وسائر من يلي علينا ، وجعل إليه أمرنا . ولما قدم معاوية المدينة ، دخل دار عثمان ، فقالت عائشة ابنة عثمان : وا أبتاه ! فقال معاوية : يا بنت أخي ، إن الناس أعطونا طاعة ، وأعطيناهم أمانا ، وأظهرنا لهم حلما تحت غضب ، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد ، ومع كل إنسان سيفه وهو يرى مكان أنصاره ، فإن نكثنا بهم نكثوا بنا ، ولا ندري أعلينا تكون أم لنا ؟ ولأن تكوني ابنة عم أمير المؤمنين خير من أن تكوني امرأة من عرض « 2 » المسلمين . وروي أن رجلا من العقلاء ، غصبه بعض الولاة ضيعة له ، فاستعدى عليه إلى المنصور « 3 » ، فقال له : أصلحك الله ، أأذكر حاجتي أم أضرب لك قبلها مثلا ؟ فقال : بل اضرب لي قبلها مثلا ، قال : أصلحك الله ، إن الطفل الصغير ، إذا نابه أمر يكرهه ، فإنه يفر إلى أمه ، إذ لا يعرف غيرها ، وظنّا منه أنه لا ناصر فوقها ، فإذا ترعرع واشتد فأوذى ، كان فراره وشكواه إلى أبيه ، لعلمه بأن أباه أقوى من أمه على نصرته ، فإذا بلغ وصار رجلا وحزبه « 4 » أمر ، شكا إلى الوالي ، لعلمه بأنه أقوى من أبيه ، فإذا زاد عقله واشتدت شكيمته « 5 » ، شكا إلى السلطان ، لعلمه بأنه أقوى من سواه ، فإن لم ينصفه السلطان ، شكا إلى الله عز وجل ، وقد نزلت بي نازلة « 6 » ، وليس فوقك أحد أقوى منك ، فإن أنصفتنى ، وإلا رفعت أمرها إلى الله في الموسم « 7 » ، فإني متوجه إلى بيته وحرمه ، إذ ليس فوقك أحد إلا الله تعالى ، قال : بل ننصفك ، وأمر بأن يكتب إلى واليه يردّ ضيعته إليه . * * *

--> ( 1 ) هو الفضيل بن عياض العالم العابد وقد سبقت ترجمته . ( 2 ) عرض المسلمين : عامّتهم . ( 3 ) أي أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي وقد سبقت ترجمته . ( 4 ) حزبه أمر : أصابه أمر شديد أو أصابه الغم والويل . ( 5 ) اشتدت شكيمته : أي أصبح أنيفا أبيّا لا ينقاد . ( 6 ) النازلة : المصيبة الشديدة . ( 7 ) أي موسم الحج .