محمد بن وليد الطرطوشي

318

سراج الملوك

الباب السابع والثلاثون في بيان الخصلة التي فيها ملجأ الملوك عند الشّدائد ، ومعقل السلاطين عند اضطراب الأمور وتغيّر الوجوه والأحوال أيها الملك : إذا اعتلجت الأمور في صدرك ، واضطربت عليك القواعد ، ومرجت في قلبك وجوه الرأي ، وتنكّرت عليك المعارف ، وأكفهرّ لك وجه الزمان ، فلا يغلبنّك خصلتان : اترك للناس دينهم ودنياهم ، ولك الأمان في طوارق الحدثان « 1 » وما يأتي به الملوان « 2 » . وقد روى أنّ المأمون قال في آخر مواقفه مع أخيه الأمين - وقد نفدت بيوت الأموال ، وألحّت الأجناد في طلب أرزاق المأمون - : بقيت لأخي خصلة ، لو فعلها ملك موضع قدمىّ هاتين ، قيل له : وما هي ؟ فقال : واللّه إني لأضنّ بها على نفسي ، فكيف على غيرى ؟ فلما خلص له الأمر ، سئل عن تلك الخصلة ؟ فقال : لو أن الأمين نادى في جميع بلاده ، أنه قد حطّ الخراجات والوظائف السلطانية وسائر الجبايات عشر سنين ، لملك الأمر علىّ ، ولكن الله غالب على أمره . ولما خشي المأمون انتقاض بيعته مع أهل خراسان في أمر فتنته مع أخيه الأمين ، استشار الفضل بن سهل « 3 » - وكان وزيره - فقال له الفضل : قد قرأت القرآن وحديث الرسول صلى اللّه عليه وسلم والذي عندي أن تجمع الفقهاء وتدعوهم إلى الحق والعمل به ، وإحياء السيرة ، وبسط العدل ، والقعود على اللبود ، وتواصل النّظر في المظالم ، وتكرم القوّاد والملوك وأبناء الملوك ، وتعهد

--> ( 1 ) حدثان الدهر : نوائبه ، وطوارق الدهر : مصائبه ودواهيه . ( 2 ) الملوان : الليل والنهار . ( 3 ) الفضل بن سهل : وزير الخليفة المأمون ، إيرانى الأصل ، كان مواليا للبرامكة ، ومعاديا للفضل ابن الربيع ( الذي كان مناصرا للأمين وأبعده المأمون ) ، ولكن المأمون عاد ونقم على الفضل بن سهل فاغتيل في الحمام بإيعاز منه ومات سنة 204 ه