محمد بن وليد الطرطوشي
319
سراج الملوك
بالمواعيد الكريمة ، والمراتب السّنيّة « 1 » والولايات المشاكلة « 2 » ففعل ذلك ، وحطّ عن أهل خراسان ربع الخراج ، فمالت وجوه الخلائق إليه ، وكانوا يقولون : ابن أختنا ، وابن عم نبينا عليه السلام ، وانقاد إليه رافع بن الليث « 3 » ، وكان من عظماء الملوك بخراسان . ويدخل تحت هذه الترجمة ، أمر اتفق عليه حكماء العرب والروم والفرس والهند ، وهو : ان تصطنع وجوه كلّ قبيلة ، والمتقدّمين من كل عشيرة ، وتحسن إلى حملة القرآن والعلم وحفّاظ الشريعة ، وتدنى مجالسهم ، وتقرّب الصالحين والمتزهدين ، وكلّ متمسّك بعروة الدين ، وكذلك فليفعل بالأشراف من كل قبيلة ، والرؤساء المتبوعين من كل نمط ، فهؤلاء هم أزمّة « 4 » الخلق ، وبهم يملك من سواهم فمن كمال السياسة والرئاسة : أن تبقى على كل ذي رئاسة رئاسته ، وعلى كل ذي عزّ عزّته ، وعلى كل ذي منزل منزلته ، فحينئذ يكون الرؤساء لك أعوانا ، ومن دانت له الفضلاء من كل قبيلة ، فأخلق به أن يدوم سلطانه . والعامّة والاتباع دون مقدميهم وساداتهم واتباعهم ، أجساد بلا رؤوس ، وأشباح بلا أرواح ، ولمّا قامت العامة على السلطان بقرطبة ولبسوا السلاح ، كان شيخ جالس على كيره « 5 » يعالج صنعته ، فقال : ما بال الناس ؟ قالوا : قامت العامّة على السلطان ، قال : ولهم رأس ؟ قالوا : لا ، قال : ( شقّ الكير يا صبىّ ) « 6 » فذهبت مثلا . * * *
--> ( 1 ) المراتب السنية : العالية الكريمة . ( 2 ) الولايات المشاكلة وذات الشواكل هي الجانبية التي تتشعب منها طرق عديدة . ( 3 ) رافع بن الليث : هو رافع بن الليث بن نصر بن سيّار ، قائد عباسى ، خلع طاعة الرشيد في سمرقند سنة 189 ه واستولى عليها ثم توجه لقتال الرشيد فانهزم وضعف أمره ، ثم استماله المأمون وقتله سنة 195 ه ( 4 ) أزمة الخلق : أي قادتهم يقال : فلان زمام قومه : أي مقدمهم وصاحب أمرهم . ( 5 ) الكير : جلد غليظ يستعمله الحداد لإشعال النار ونفخها . ( 6 ) كناية عن تفرق جمعهم أو كلمتهم .