محمد بن وليد الطرطوشي
317
سراج الملوك
فيا أيها الملك الذي كتب الله عليه الفناء ، والعمر القصير ، والزمان اليسير ، والأيام المعدودة ، والأنفاس المحصورة ، كيف أردت أن يصفو لك من الرعية ما لم يصف منهم لخالقهم ، ورازقهم ، ومحييهم ، ومميتهم ؟ هيهات هيهات ، بعيد ما أمّلت ، ومستحيل ما طلبت ، فلك في الله أسوة حسنة ، إن ترضى منهم بما رضى منهم خالقهم ، وتسير فيهم بسيرة ربّهم فيهم ، ألم تر كيف أحسن إليك فرضى منك باليسير من العمل ، وأكثر لك من النّعم من الأموال والخول « 1 » ، فانظر كيف يستر زلّاتك ، ويتغمّد سيئاتك ، ولا يفضحك في خلواتك ، ففي هذا ما يمهّد النفوس ، ويؤدّب ذوى العقول ، ويهدى إلى الصواب ، ويوضّح طرق الرشاد . ولله درّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، لقد كان واعيا لما تلوته عليك ، فإنّه روى عنه أنّه كتب إلى عمرو بن العاص ( كن لرعيّتك كما تحبّ أن يكون لك أميرك ) . * * *
--> ( 1 ) الخول : جمع خولى : العبيد والإماء وغيرهم من الحاشية ، وهو يستعمل بلفظ واحد للجميع ، وربما قيل للواحد : خائل ، وهذا مأخوذ من التخويل أي التمليك ، وقيل من الرعاية .