محمد بن وليد الطرطوشي
312
سراج الملوك
الباب الخامس والثلاثون في بيان السيرة التي يصلح عليها الأمير والمأمور ويستريح إليها الرئيس والمرءوس مستخرجة من القرآن العظيم قال الله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ [ الأنعام : 38 ] فأثبت الله تعالى المماثلة بيننا وبين سائر البهائم . ومعلوم أنهم لا يماثلونا في خلقنا وأشكالنا ، وسائر ما تدركه العين منهم ومنّا ، فتبقى المماثلة في الأخلاق ، فلا أحد من الخلق إلّا وفيه خلق من أخلاق البهائم ، ولهذا تجد أخلاق الخلائق مختلفة : فإذا رأيت من الإنسان خلقا خارجا عن الاعتدال ، فأبصر ما يماثل ذلك الخلق من خلق سائر الحيوان ، فألحقه به ، وعامله كما كنت تعامله به ، فحينئذ تستريح من منازعتهم ويستريحون منك ، وتدوم الصّحبة . فإذا رأينا الرّجل الجاهل في خلائقه ، الغليظ في طباعه ، القوىّ في بدنه ، لا يؤمن طغيانه وإفراطه ، فألحقه بعالم النّمور ، والعرب تقول : ( أجهل من نمر ) وأنت إذا رأيت النّمر بعدت عنه ولم تخاصمه ولا تساببه ، فاسلك بالرّجل كذلك . وإذا رأيت الرّجل الغالب على أخلاقه السّرقة خفية ، والنّقب ليلا على وجه الاستسرار ، قلنا : هذا يماثل الجرذ ، فدع ملاحاته « 1 » ومخاصمته ، كما ندع سباب الجرذ إذا أفسد رحلك ، ثم أحي رحلك « 2 » بما يصلح له . وإذا رأيت هجّاما على أعراض الناس وثلبهم « 3 » ، فقد ماثل عالم الكلاب ، فإنّ دأب الكلب أن يجفو « 4 » من لا يجفوه ، ويبتدئ بالأذيّة من لا يؤذيه ،
--> ( 1 ) ملاحاته : أي مخاصمته . ( 2 ) أحي رحلك : الرّحل هو مل يحمل على ظهر البعير كالسرج ، وأحيه أي أصلحه . ( 3 ) الثلب : الغيبة والسب . ( 4 ) الجفوة : الغلظة في المعاشرة وجفا صاحبه : اعرض عنه .