محمد بن وليد الطرطوشي
313
سراج الملوك
فعامله بما كنت تعامل به الكلب إذا أنبحك ، ألست تذهب في شأنك ولا تخاصمه ولا تسبّه ؟ فافعل بمن يهتضم « 1 » عرضك مثل ذلك . وإذا رأيت إنسانا قد جبل على الخلاف ، إن قلت : لا ، قال : نعم ، وإن قلت : نعم ، قال : لا ، فألحقه بعالم الحمير ، فإن دأب الحمار إن أدنيته بعد ، وإن أبعدته قرب ، وأنت تستمتع بالحمار ، ولا تسبّه ولا تفارقه ، فاستمتع أيضا بهذا الإنسان ولا تسبّه ولا تفارقه . وإذا رأيت رجلا يطلب عثرات الناس وسقطاتهم ، فمثله في الأدميين كمثل الذّباب في عالم الطيّر ، فإنّ الذّباب يقع على الجسد فيتحامى « 2 » صحيحه ، ويطلب المواضع النّغلة « 3 » منه . وإذا بليت بسلطان يهجم على الأموال والأرواح ، فألحقه بعالم الأسود ، وخذ حذرك منه كما تأخذ حذرك من الأسد ، وليس إلا الهرب منه كما قال النابغة « 4 » : ولا قرار على زأر من الأسد وإذا بليت بإنسان خبيث ، كثير الرّوغان والمفاخرة ، فألحقه بعالم الثعالب . وإذا بليت بمن يمشى بالنّمائم ويفرّق بين الأحبة ، فألحقه بعالم الظّربان « 5 » ( وهي دابة صغيرة ) ، تقول العرب عند تفرق الجماعة : ( فسا بينهم ظربان فتفرقوا ) - وخاصّة هذه الدويبة : إذا حصلت وسط جماعة أن يتفرقوا - وكما أنّ الجماعة إذا أقبلت نحوهم هذه الدابة ، طردوها ومنعوها الدخول بينهم ، كذلك ينبغي إخراج النّمام من بين الجماعة ، فإن لم يفعلوا يوشك أن يفرّق ما بينهم ، ويفسد قلوب بعضهم على بعض . وإذا رأيت إنسانا لا يسمع العلم والحكمة ، وينفر من مجالس العلماء والحكماء ، ويألف سماع أخبار أهل الدنيا وسائر الخرافات ، وما يجرى في
--> ( 1 ) يظلمه ويكسر حقه . ( 2 ) يتحامى : يبتعد . ( 3 ) الفاسدة ، ويسمى النغل ( المتولد من الحصان والأتان ) بذلك . ( 4 ) النابغة الذبياني ، الشاعر المعروف وقد سبقت ترجمته . ( 5 ) الظربان : حيوان من اللواحم في حجم القط ، أغبر اللون ، مائل إلى السواد ، رائحته كريهة منتنة . يقال ( فسا بينهم الظربان : اى تقاطعوا وتفرقوا ) .