محمد بن وليد الطرطوشي

287

سراج الملوك

ولآخر : إذا ابتليت فثق باللّه وارض به * إنّ الذي يكشف البلوى هو اللّه اليأس يقطع أحيانا بصاحبه * لا تيأسنّ فإنّ الصّانع اللّه إذا قضى اللّه فاستسلم لقدرته * ما لامرئ حيلة فيما قضى اللّه وصرّف من هذه اللفظة : صابر ، وصبور ، وصبّار ، ومتصبّر . فالمتصبر : من صبر في الله على المكاره ، فتارة يعجز ، وتارة يصبر . والصابر : من لا يشكو ، ولا يعجز . والصبار : الذي لو دفع عليه جميع البلايا والمحن لم يتغيّر وجهه في الحقيقة ، وإن تغير من وجهه الرسم والبشرية والخلقة ، كما قال القائل : صابر الصّبر فاستغاث به الصبر * فصاح الصّبور يا صبر صبرا وهذا أقوى بيت قيل في الصبر وأحسنه ، وقريب منه قول القائل : صبرت على الأيّام صبرا أصارني * إلى أن ينادي الحال لا صبر للصّبر والصبور : هو الثابت على هذه المقامات . وقيل : أوحي الله تعالى إلى داود عليه السلام : تخلّق بأخلاقي ، وإن من أخلاقي : أني أنا الصبور . ويقال : الصبر لله غنى ، والصبر بالله تقى ، والصبر في الله بلاء ، والصبر مع الله وفاء ، والصبر عن الله جفاء ، وأنشدوا : إذا لعب الرّجال بكلّ شيء * رأيت الحبّ يلعب بالرّجال وكيف الصّبر عمّن حلّ منّي * بمنزلة اليمين مع الشّمال وقال المحاسبي « 1 » : بين الصبر والتصبر حالة ، هي : التنعم ، وذلك إذا رفع الله له علما من أعلام الآخرة ، يدله على منازل الصابرين عنده ، فيتنعّم القلب بسرور النعيم . وقال أبو محمد الجريري « 2 » : الصبر : هو أن لا نفرق بين حال النعمة والمحنة ، مع سكون الخاطر فيهما ، والصبر : هو السكون مع البلاء ، مع وجدان أثقال المحبة .

--> ( 1 ) الحارث بن أسد : المحاسبي أبو عبد الله ، من أكابر الصوفية كان عالما مبكيا له تصانيف في الزهد والرد على المعتزلة وغيرهم ولد ونشأ بالبصرة ومات ببغداد سنة 243 ه ( الأعلام 2 / 1533 ) . ( 2 ) أبو محمد الجريري من مشايخ الصوفية ، صاحب الجنيد وأقعد مكانه بعد وفاته .