محمد بن وليد الطرطوشي

288

سراج الملوك

وأنشدوا : صبرت ولم أطلع هواك على صبري * وأخفيت ما بي منك عن موضع السّرّ مخافة أن يشكو ضميري صبابتي * إلى دمعتي سرّا فتجري ولا أدري وقيل للمحاسبي ، بما ذا يقوى الصابر على صبره ؟ فقال : إذا علمت أن في صبرك رضا مولاك . أما سمعت قول الحكيم : رضيت وقد أرضى إذا كان مسخطي * من الأمر ما فيه رضا صاحب الأمر وفي معناه : سأصبر كي ترضى وأتلف حسرة * وحسبي أن ترضى ويتلفني صبري قلت : وثكلك لمن تحبّه أعظم من ثكلك لنفسك ، هذا أيوب « 1 » ، لما أصيب بنفسه قال : مَسَّنِيَ الضُّرُّ ويعقوب « 2 » لما أصيب بحبيبه قال : يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ . قال أحمد « 3 » : قال لي أبو سليمان الداراني « 4 » : أتدري بما ذا أزال العقلاء اللائمة عمن أساء إليهم ؟ قلت : لا ، قال : لعلمهم بأن الله تعالى ابتلاهم بذلك فصبروا . ويروى : أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه : إذا أنزلت بعبدي بلائي ، فدعاني ، فماطلته بالإجابة ، فشكاني ، فقلت : عبدي ؛ كيف أرحمك من شيء به أرحمك « 5 » ؟ وقيل في قوله تعالى : فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا [ المعارج : 5 ] إنه الصبر الذي لا شكوى فيه ولا بث .

--> ( 1 ) النبي أيوب عليه السلام : من الأنبياء الذين قص علينا قصصهم في القرآن الكريم ، ذكر اسمه أربع مرات ، اشتهر بالاستقامة والتقوى ، ورد في ابتلائه قصص كثيرة ، والأصح أنها كانت قبل النبوة فلما صبر أصبح نبيا ، وموطنه بلاد الروم ( أرض عوص ) . ( انظر : قصص الأنبياء - ابن كثير 241 ) . ( 2 ) النبي يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليه السلام ، ولد جميع أولاده في آرم إلا بنيامين ، ثم جاء إلى فلسطين بمال كثير ونعم جليلة ، وأصيب بابنه يوسف عليه السلام الذي رماه إخوته في الجب ، وله قصة مشهورة ( اقرأ سورة يوسف ) . ( انظر : قصص الأنبياء - ابن كثير 206 ) . ( 3 ) المقصود أحمد بن أبي الحوارى الزاهد المعروف بريحانة الشام - سبقت ترجمته - . ( 4 ) أبو سليمان الدارانى : عبد الرحمن بن أحمد بن عطية العنسي ، زاهد مشهور من أهل ( داريا ) بغوطة دمشق ، رحل إلى بغداد وأقام بها مدة ، ثم عاد إلى دمشق ، كان من كبار المتصوفين ، وله أخبار في الزهد ، مات سنة 215 ه ( الأعلام 3 / 131 ) . ( 5 ) أي أن في ابتلاء الله للإنسان رحمة . وقد سقطت كلمة ( كيف ) من ( ط ) .