محمد بن وليد الطرطوشي

243

سراج الملوك

وقال أكثم بن صيفيّ « 1 » : الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر النّدم . وسأل عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كبيرا من كبراء فارس : من أحمد ملوكهم عندهم ؟ فقال : لأردشير فضل السّبق ، غير أن أحمدهم سيرة أنوشروان . قال : فأيّ أخلاقه كان أغلب عليه ؟ قال : الحلم والأناة . فقال علي رضي الله عنه : هما توأم ينتجهما علوّ الهمّة . ومن محمود السيرة : أن يعرف الناس من أخلاقك ، أنك لا تعجل بالثّواب ولا بالعقاب ، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف ورجاء الرّاجي . وقال محمود الوراق « 2 » : سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب * وإن عظمت منه عليّ الجرائم فما النّاس إلّا واحد من ثلاثة * شريف ومشروف ومثل مقاوم فأمّا الّذي فوقي فأعرف فضله * وأتبع فيه الحقّ والحقّ لازم وأمّا الّذي دوني فإن قال صنت عن * إجابته نفسي وإن لام لائم وأمّا الّذي مثلي فإن زلّ أو هفا * تفضّلت إنّ الحلم بالفضل حاكم وقال الأصمعي : سمعت أعرابيا يقول : أسرع الناس جوابا من لم يغضب ، لا توقدنّ بين جنبيك جمرة الغضب ، وأردد إساءته بالحلم ، فإنّ شجر النار إذا ألحّت عليها الرياح تحاكّت أغصانها ، فتشتعل نارا وتحترق من أصولها . وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه : ثلاث من اجتمعن فيه فقد سعد : من إذا غضب لم يخرجه غضبه عن الحق ، وإذا رضي لم يدخله رضاه في باطل ، وإذا قدر عفّ وكف . وسئل جعفر بن محمد « 3 » عن حدّ الحلم ؟ فقال : وكيف يعرف فضل شيء لم ير كماله في أحد . وقال الأحنف لابنه : يا بنيّ إن أردت أن تؤاخي رجلا فأغضبه ، فإن أنصفك وإلا فاحذره .

--> ( 1 ) أكثم بن صيفي : حكيم العرب في الجاهلية وأحد المعمرين أدرك الإسلام وقصد المدينة مع نفر من قومه يريدون الإسلام فمات في الطريق سنة 9 ه . وقد قيل أنه نزل بشأنه قرآن : وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [ النساء : 100 ] . ( الأعلام 2 / 6 ) . ( 2 ) محمود بن حسن الوراق : شاعر ، أكثر شعره في المواعظ والحكم ، روى عنه ابن أبي الدنيا وقد جمع ما وجد من شعره في ديوان ، مات سنة 225 ه . ( الأعلام 7 / 167 ) . ( 3 ) جعفر بن محمد بن الأشعث أحد ولاة الرشيد على خراسان .